لقجع يستعين بأطر تكوين إسبانية رياضية ويستبعد الكفاءات الوطنية

محمد جرو/تنوير
في الوقت الذي تحقق الرياضة الوطنية إنجازات عالمية ورغم فصلها عن جسدها بحذف وزارة الشباب والرياضة والرمي بالرياضة وأطرها إلى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي المثقلة بإكراهات، وقد رأينا كيف تقهقرت أرقام في بعض الرياضات ذات المستوى العالي ومنها أم الرياضات ألعاب القوى، حققت الأسماء المغربية خاصة في كرة القدم إنجازات بصمها خريجو معهد تكوين أطر الشبيبة والرياضة أو لاعبون في ملاعب وطنية من الوصول للمربع الذهبي مع الرگراكي في كأس العالم بقطر ومع هشام الدميم في فوت صال وأشبال طارق السكيتيوي والآن مع محمد وهبي في نهائي كأس العالم للشباب لأول مرة وبإطار مغربي، باستثناء إخفاق لبؤات الأطلس رفقة المدرب الأجنبي رغم وجود لمياء بومهدي، وهي مدرّبة من طراز نادر. فماذا لم تقنع لقجع وجامعته ولم يحن بعد وقت إسناد المنتخب النسوي اليها ولم يصل أوان ثقة الوطن بها؟
ففي قلب كرة القدم النسوية المغربية، يلمع اسم لمياء بومهدي كحكاية إلهام وعزيمة لا تُصدّق. من طفلة صغيرة في مدينة برشيد إلى أن أصبحت أفضل مدربة في إفريقيا عام 2024… رحلة مدهشة تُثير سؤالًا واحدًا: لماذا لا تتولى قيادة المنتخب المغربي النسوي الأول حتى الآن؟
لمياء بومهدي بدأت كلاعبة في نادي برشيد الذي أسسته والدتها عام 1997 لتمنح الفتيات فرصة اللعب. وفي سن السادسة عشرة فقط، شاركت مع المنتخب المغربي في بطولة إفريقيا 2000 كأصغر لاعبة في تاريخ المسابقة.
مع ناديها المحلي فازت بالدوري المغربي ثلاث مرات وكأس العرش مرتين وكأس شمال إفريقيا، ثم احترفت بلبنان وتوّجت هناك بالدوري والكأس ولقب الهداف. لكن إصابة قاسية في الركبة أنهت مسيرتها وهي في الـعام 26 من عمرها غير أنّها لم تنه حلمها.
لمياء انتقلت بسرعة إلى التدريب، وهي الحاصلة على أعلى الشهادات القارية، وقادت فرقًا شابة للمنتخب المغربي إلى ألقاب شمال إفريقيا وميداليات الألعاب الإفريقية. ثم ارتقت عالميًا عندما تولّت قيادة نادي مازيمبي الكونغولي وفجّرت المفاجأة: بطلة دوري أبطال إفريقيا للسيدات 2024 على حساب أندية عريقة، لتُتوَّج في مراكش بجائزة أفضل مدربة إفريقية.
ها هي الإنجازات تتحدث… لكن لماذا لا تُمنح الفرصة؟ وقس على ذلك أسماء وازنة أخرى قد تعطي ما لن يعطيه الأجنبي بفعل التقارب والتفاهم لغة وعقلية، الخ..
فرغم كل هذا السجل المذهل، بقيت كفاءة لمياء بعيدة عن المنتخب المغربي النسوي.. هل لأن الجامعة الملكية المغربية تفضّل الأسماء الأجنبية ذات الصدى الإعلامي؟ أم لأن صناع القرار يعتقدون أن البطولات الكبرى تحتاج خبرة خارجية؟ أم أن هناك اعتقادًا بأن التجربة القارية مع الأندية لا تكفي لتولي منتخب وطني في مرحلة حرجة؟
كيف يمكن تجاهل مدربة أثبتت أنها قادرة على كسر الاحتكار ورفع الكؤوس القارية؟ أليست بومهدي الأعرف بعقليات اللاعبات المحليات والأجدر برسم خطة طويلة الأمد؟
لمياء بومهدي ليست مجرد اسم في كرة القدم النسوية؛ إنها قصة كفاح ونجاح مغربي أصيل تشهد عليه والإنجازات التي حققتها على المستوى المحلي والقاري.
وربما كان توجه لقجع والجامعة الملكية لكرة القدم نحو “الحد” من تجربة المستعمر الفرنسي، لذلك أختار هذا الأخير الإستعانة بأطر إسبانية (باعتبار إسبانيا شريكة المغرب والبرتغال) في تنظيم كأس العالم سنة 2030 بغية الإنكباب على برنامج للتوكين أعدته الجامعة الملكية المغربية للكرة المستديرة بدعم من المكتب الشريف للفوسفاط وشركة إماراتية ذات خبرة في مجال التكوينات.
وبحسب المصادر المتوفرة سيوكل لهذه الأطر “المستوردة” بوضع برنامج عام للتكوينات التي سيستفيد منها اللاعبون بمراكز التكوين. والسؤال المطروح هو هل ستلقن المواد باللغة الإسبانية التي لايجيدها كثير من المغاربة في ظل استحواذ لغة موليير على جل مناحي الحياة الإدارية بالمغرب من منظومة التعليم إلى مجالات مختلفة بحكم الإستعمار الفرنسي السابق وفي وقت يتجه العالم نحو الإنجليزية كلغة عالمية أولى. من جهة أخرى يتساءل الجميع: لماذا تترك أطر وطنية دون الإستعانة بها من خريجي الجامعات والمعاهد الوطنية خاصة معهد مولاي رشيد بسلا او معهد تكوين أطر الشبيبة والرياضة كما يعرف الذي انتج كفاءات وطنية ذاع صيتها عالميا حيث تشرف على تدريب منتخبات إفريقية وعربية وغيرها؟ أم أن الأمر يدخل في إطار “إقتسام للصفقات” بين ثلاثي تنظيم كأس العالم خاصة اسبانيا والبرتغال بمنح شركاتها وأطرها وتجهيزاتها أولوية؟ والحالة أن حبر خطاب الملك أمام البرلمان لم يجف بعد على مستوى الاهتمام بالعدالة المجالية حتى لايسير المغرب بسرعتين: حواضر وجهات تحتضن مشاريع كبرى تنعكس بالنفع على التنمية المستدامة جهويا وأخرى تعيش بطالة وفقر مدقع.
ومن مقتطفات الخطاب الملكي أمام البرلمان قول جلالته: “تشجيع المبادرات المحلية والأنشطة الاقتصادية، وتوفير فرص الشغل للشباب، والنهوض بقطاعات التعليم والصحة، وتأهيل المجال الترابي”.
وفي هذا الصدد، دعا جلالة الملك الجميع إلى “محاربة كل الممارسات التي تُضيّع الوقت والجهد والإمكانات، لأننا لا نقبل أي تهاون في نجاعة ومردودية الاستثمار العمومي”. وهو ما يحصل الآن في كل المجالات ومنها الرياضة رافعة التنمية المحلية والجهوية والوطنية. ويجب الاعتماد على اقتصاد الرياضة للحد من الفوارق المجالية. وفي هذا الصدد شدد جلالة الملك على أنه “كما لا ينبغي أن يكون هناك تناقض أو تنافس بين المشاريع الوطنية الكبرى والبرامج الاجتماعية، ما دام الهدف هو تنمية البلاد وتحسين ظروف عيش المواطنين، أينما كانوا.”
ثم أخيرا وليس آخرا، في ظل السياقات المذكورة نخشى أن نقول مع المثل العامي”لبلاد تباعت أحمادي”، وأكثر غضاضة ما “تنبأ “له عالم المستقبليات الراحل المنجرة في إيحاء لعودة المستعمرين السابقين للمغرب عبر مختلف الواجهات لعل أبرزها الشركات الكبرى، حيث قال الراحل في محاضرة القيت بالمدرسة الوطنية للصناعات المعدنية بالعاصمة الرباط ذات فبراير من سنة 1991: “حينما نسمع الآن الضجة الثائرة حول التكوين المهني ونسمعهم يقولون بأن مستقبلهم قادم، سيكون هناك توزيع في الصناعات لأن فرنسا تشهد أزمة ديموغرافية وليست لها يد عاملة كافية. ماذا ستفعل إذن!” وأضاف الراحل بتحسر كبير على مآل الوطن والمواطنين: “ستقوم (فرنسا)، وقد ينسحب ذلك على اسبانيا والبرتغال، بنقل معاملها ذات الإنتاجية الصغيرة (الشيء الذي حصل بالفعل ) والتي تحتاج إلى يد عاملة منخفضة الثمن سترسلها لنا وسنقبلها وسنبقي على تخلفنا في صناعات القرن 19 وبداية القرن 20. كل هذا يقع نتيجة الافتقار إلى الثقة في النفس”، وهذا ما يحصل الآن بتبخيس الأطر والكفاءات الوطنية في مجال الرياضة وغيرها باستثناءات نادرة.




