مجتمع

اتفاق شرم الشيخ والممر الهندي–الأوروبي: جبر الضرر الجيوسياسي بين الشرق والمغرب

مصطفى المنوزي
الحلقة السابعة
من يقرأ اتفاق شرم الشيخ بمعزل عن خلفية الممر الهندي–الأوروبي، يفوّت البعد العميق الذي يحكم التحولات الراهنة في المنطقة. فالاتفاق، وإن قُدِّم في ظاهره كمسعى للتهدئة وإعادة تنشيط قنوات الحوار، يحمل في جوهره معنى جبر الضرر الجيوسياسي الذي لحق ببعض القوى نتيجة خلخلة توازنات الإقليم بعد ظهور مشروع الممر، الذي مثّل نموذجًا للمركزية الاقتصادية الجديدة القائمة على الممرات بدل الدول، والمصالح بدل التحالفات.
الممر الهندي–الأوروبي (IMEC) بُني على هندسة اقتصادية تستبعد الأطراف غير المنخرطة في المحورالهندي الإسرائيلي الخليجي، مما همّش قوى إقليمية كانت تتوسط طريق التجارة والمصالح مثل تركيا وقطر. الأولى فقدت دورها الطبيعي كجسر بين الشرق والغرب، والثانية جُرِّدت من بعض أوراقها المالية والدبلوماسية لصالح تحالفات جديدة ذات طابع نيوليبرالي تجاري صرف؛ وفي هذا السياق، جاء اتفاق شرم الشيخ كتسوية رمزية ووظيفية لإعادة إدماج المتضررين من مشروع الممر ضمن توازن جديد:
فبالنسبة إلى تركيا، مثّل الاتفاق مساحة لاستعادة مكانتها كفاعل أمني ووسيط إقليمي بعد تراجع نفوذها في خريطة الشرق الأوسط، أما قطر، فاستعادت دورها في الوساطات الإنسانية والإعلامية، وأُعيد الاعتراف بها كقوة ناعمة داخل الفضاء العربي.
بهذا المعنى، يصبح جبر الضرر هنا جبرًا سرديًا ووظيفيًا، لا ماليًا أو قانونيًا. أي أنه لا يعوّض الخسائر الاقتصادية بقدر ما يعيد توزيع الأدوار داخل سردية إقليمية جديدة تحاول رأب صدع التوازن بعد انهيار سردية “الممرات الكبرى” وسردية “الإبراهيمية التطبيعية”. إنه جبر للمعنى أكثر مما هو جبر للضرر، يعيد هندسة الشرعية بدل مراجعة السياسات.
لكن السؤال الأهم بالنسبة لنا: هل استفاد المغرب من هذه التحولات أم تضرر منها؟
المغرب في معادلة الممرات الجديدة :
اقتصاديًا، لم يكن المغرب جزءً من مسار الممر الهندي–الأوروبي، بل كان متضررًا بشكل غير مباشر. فالمشروع همّش الموانئ المغربية الكبرى (طنجة المتوسط، الداخلة الأطلسي المنتظر) التي تراهن على الربط الأطلسي الإفريقي، ونقل مركز الثقل التجاري نحو شرق المتوسط. غير أن انهيار الممر بعد حرب غزة جعل العالم يعيد التفكير في مسارات بديلة أكثر أمنًا واستقرارًا، ما سمح للمغرب باستعادة موقعه كجسر أطلسي–إفريقي آمن.
بعبارة أدق: لم يربح المغرب من اتفاق شرم الشيخ، لكنه استعاد قيمته بفضل فشل الآخرين ، جيوسياسيًا، جاء اتفاق شرم الشيخ ليكرّس محورًا مصريًاخليجيًا تركيًا متجدّدًا، بينما وجد المغرب نفسه في موقع المراقب الحذر. فهو مرتبط بالتحالف الغربي والإبراهيمي في ملف التطبيع، لكنه في الوقت ذاته معني بالحفاظ على التوازن الداخلي والرمزي، خصوصًا في ظل تعاطف شعبي واسع مع القضية الفلسطينية. ومع انكفاء الاهتمام الدولي نحو ملفات الشرق الأوسط الساخنة، تراجع الحضور المغربي في معادلة الوساطة الإقليمية، وإن ظل يحتفظ برصيده في مجال الاستقرار والاعتدال.
أما على المستوى السردي–الرمزي، فإن المغرب يعيش اليوم ازدواجية دقيقة بين سرديتين:
سردية “التطبيع البراغماتي” التي تربط بين المصالح الوطنية (قضية الصحراء) والانفتاح الإقليمي، وسردية “الممانعة الشعبية” التي تزداد قوة مع جيل جديد يرفض الاصطفاف الأخلاقي خلف التحالفات المصلحية. وإن اتفاق شرم الشيخ لم يمنح المغرب أي دعم معنوي في هذا التوتر، بل تركه في منطقة رمادية بين الشرعية الواقعية والضمير الجمعي ؛ وهو ما يعكس أن المغرب أقرب إلى المتأثر لا المؤثر في هذه اللحظة من التحولات.
نحو قراءة توقعية
من منظور التفكير النقدي التوقعي، يمكن القول إن اتفاق شرم الشيخ أعاد ترتيب الأدوار في الشرق الأوسط على قاعدة “توازن الوظائف” بدل “توازن القوى”. أما المغرب، فبقي خارج هذا المنطق، لكنه يملك ورقته الخاصة: موقعه الجيو–أطلسي، واستقراره النسبي، وقدرته على الجمع بين الانتماء العربي والإفريقي والأطلسي ؛ فالمغرب لم يستفد فعليًا من الاتفاق، ولم يتضرر منه مباشرة. إنه يعيش مرحلة “الربح الاحتمالي” و”الخسارة المؤجلة”: ربح رمزي كمجال آمن ومستقر في غرب المتوسط ، وخسارة ظرفية في مركزية حضوره داخل هندسة الشرق الأوسط الجديدة.
من هنا، يصبح التحدي أمام المغرب ليس في الالتحاق بهذا المحور أو ذاك، بل في صوغ سرديته التوقعية المستقلة:
سردية مغربية–إفريقية للأمن والوساطة، تتأسس على ضمير الذاكرة والواقعية التشاركية، لا على صدى اتفاقات الآخرين.
ففي زمن الممرات المتصدعة، لا تكمن القوة في العبور فقط، بل في امتلاك معنى الاتجاه. فهل سيواصل العقل السياسي المغربي صمودها من أجل الارتقاء إلى مستوى أكثر ندية وما فوق التبعية ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى