شفافية الانتخابات: المغرب يريد تغيير قواعد اللعبة

أحمد رباص ـ تنوير
بقيادة ملكية، تبنى المجلس الوزاري المنعقد مؤخرا مشروعي قانونين تنظيميين يُعيدان رسم معالم الحياة السياسية. الهدف: تنقيح العملية الانتخابية، وتحديث الأحزاب، وإعادة الاعتبار للتمثيلية. المهمة شاقة، لكن الإشارة واضحة: المغرب يريد سياسةً تُواكب تحوله الاقتصادي. لكن التحدي ما يزال هائلا.
يوم الأحد 19 أكتوبر، وفي القصر الملكي بالرباط، تبنى المجلس الوزاري، برئاسة جلالة الملك محمد السادس، مشروعي قانونين من شأنهما إعادة ترتيب أوراق الحياة السياسية المغربية. أحدهما يُراجع وضع مجلس النواب، والآخر يُدخل إصلاحات جذرية على قانون الأحزاب السياسية.
يتحدث البيان الرسمي عن هدف واضح يتمثل في “تخليق الاستحقاقات التشريعية المقبلة وضمان نزاهتها، بما يُتيح للنخب الشرعية والثقة”.
يُرسي هذان القانونان، بصيغتهما الحصيفة، أسسَ تحول أخلاقي في مشهد سياسي غالبا ما يُقوّضه انعدام الثقة. فمنذ عام 2021 وحده، حُوكم أو أُدين 26 نائبا في قضايا فساد أو اختلاس أو إساءة استخدام السلطة.
من بين هؤلاء، سُجن 11 نائبا، بينما فقد 29 آخرون مقاعدهم إثر قرارات المحكمة الدستورية، من بينهم 15 نائبا لإدانتهم قضائيا. إجمالا، 47% من حالات العزل البرلماني المسجلة خلال الدورة التشريعية الحالية تتعلق بالفساد أو مخالفات القانون. هذا السجل يجعل هذه الدورة التشريعية من أكثر الدورات البرلمانية تورطا في فضائح النزاهة منذ عام 2011، وقد غذّى انعدام الثقة المتزايد في المؤسسة البرلمانية.
من الحالات التي قوضت الثقة، حكم، مثلا، خلال سنة 2023، على النائب رشيد الفايق (التجمع الوطني للأحرار) بالسجن لمدة ثماني سنوات بتهمة اختلاس الأموال العامة واستغلال النفوذ. وفي عام 2024، حُكم على محمد الحيداوي ، وهو نائب آخر عن التجمع الوطني للأحرار، بالسجن لمدة ثمانية أشهر بتهمة إعادة بيع تذاكر كأس العالم 2022 بشكل غير قانوني. وحُكم على عبد القادر البوصيري، وهو عضو سابق في البرلمان، بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة الفساد في تدبير شؤون الجماعة. وهذه كلها حالات قوضت مصداقية البرلمان. تنعكس أزمة الثقة هذه في الأرقام: فوفقا لمسح أجراه المركز المغربي للمواطنة، قال 94.8٪ من المغاربة إنهم لا يثقون في الأحزاب السياسية. ويضع أحدث مؤشر لمدركات الفساد من منظمة الشفافية الدولية المغرب عند 37/100، بانخفاض نقطة واحدة، أو المركز 99 من أصل 180 دولة، وهو دليل على أن مكافحة التعتيم لا تزال مشروعا مفتوحا. وردا على ذلك، تعتزم المملكة إعادة تطبيق إجراءات أكثر صرامة. تستثني من الآن المقتضيات الجديدة أي شخص يُدان بجرائم تؤدي إلى فقدان الأهلية. كما سيتم تشديد العقوبات على التزوير الانتخابي، “خلال جميع مراحل التصويت”، وفق مضمون النص.
لكن الأمر لا يقتصر على العقاب. تهدف القوانين الجديدة أيضا إلى تجديد التمثيل. سيستفيد المرشحون الذين تقل أعمارهم عن 35 عاما الآن من الدعم العام الذي يغطي 75٪ من نفقات حملاتهم، وهو إجراء غير مسبوق يهدف إلى إزالة عقبة رئيسية أمام المشاركة السياسية. أما بالنسبة للدوائر الانتخابية الجهوية، فسيتم حجزها حصريا للنساء: وفقا لتوقعات وزارة الداخلية، يمكن أن تزيد حصة النساء في البرلمان من 24٪ إلى ما يقرب من 35٪ في عام 2026. ويذهب النص الثاني، المخصص للأحزاب، إلى أبعد من ذلك: فهو يفرض شفافية مالية أكبر ورقابة صارمة على الحسابات. ومع ذلك، يوضح أحدث تقرير صادر عن المجلس الأعلى للحسابات (2025) حجم المشروع: من بين 33 حزبا، قدم 27 حزبا فقط بياناتهم المالية لعام 2023، واضطر 24 حزبا إلى إعادة 38.4 مليون درهم من الإعانات غير المبررة. وفي المجموع، أعلنت الأحزاب عن 104.9 مليون درهم من الموارد العام الماضي، جاء 58٪ منها من التمويل العام. تكشف هذه الأرقام عن نظام تبعية وتدبير ما يزال بحاجة إلى تحسين. ويلخص البلاغ الملكي إلى ضرورة “تحديث العمل الحزبي لمواكبة التحولات الجذرية في المجتمع المغربي”.
علاوة على ذلك، لم يعد يُنظر تخليق المجال السياسي كمتطلب أخلاقي فحسب، بل كشرط للاستقرار الاقتصادي. وخلال المجلس الوزاري نفسه، صادق جلالة الملك محمد السادس على التوجهات الرئيسية لمشروع قانون المالية لعام 2026، الذي يركز على النمو والتشغيل والعدالة الاجتماعية، وهي ثلاثة ركائز لا يمكن، وفقا للعديد من المراقبين، ترسيخها دون بيئة سياسية موثوقة وقابلة للتوقع. ويرى الخبير الاقتصادي مروان حاتم، عضو هيئة الإداريين المعتمدين في كيبيك والباحث المشارك في جامعة مونتريال، أن هذا “خبر سار للغاية”. ويقول: “إن تخليق الحياة السياسية يُمثل إشارة قوية. فالبيئة السياسية الأخلاقية والمستقرة تُقلل من حالة عدم اليقين وتجذب المستثمرين. وكلما زادت شفافية المجال السياسي، أصبحت قواعد اللعبة أكثر توازنا وإنصافا لجميع الفاعلين الاقتصاديين”. ويرى السيد حاتم أن الشفافية ليست مجرد مثال أخلاقي، بل هي عامل من عوامل التنافسية. عندما يلتزم المستثمرون الأجانب بحكامة واضحة، دون محاباة أو غموض، يدركون أن المخاطر أقل. وهذا يضع الاقتصاد المغربي على الرادارات الدولية، مع تعزيز الاحتفاظ برأس المال وخلق القيمة المحلية.
لكن الإصلاح لا يزال بحاجة إلى التنفيذ، ولا يكفي مجرد الإعلان عنه. وهنا يؤكد حاتم قائلاً: “يجب تفعيل هذه الأخلاقيات على أرض الواقع: يجب أن تكون الضوابط والعقوبات والاستقلال المؤسسي حقيقيين. عندها فقط سيصبح ذلك ملموسا للمواطنين والفاعلين الاقتصاديين والمستثمرين”.
في الواقع، تؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، في صحيفة وقائعها القطرية لعام 2025 حول المغرب، على أن “النزاهة العامة لا تزال مُعاقة بسبب ضعف الرقابة على التمويل السياسي وبطء العقوبات الإدارية”. وهكذا، يُثبت السيد حاتم وجود صلة مباشرة بين الأخلاقيات والحكامة العامة. “يجب أن يقترن هذا الطلب على الشفافية والمساءلة بتحسين أداء الدولة. إن تحسين الإنتاجية وإدارة الموارد والتقييم المستقل للسياسات العامة يعني تعزيز الثقة الاقتصادية”. ويؤكد على أنه “لا يكفي اعتماد القوانين، بل يجب تجسيدها. ويجب أن تصبح النزاهة رد فعل جماعي، من أدنى مستوى إداري إلى القادة”.
على صعيد الميزانية، لا يزال الخبير الاقتصادي واثقًا. “لقد أظهر المغرب صرامةً ثابتةً في إدارة ماليته العمومية، مما أكسبه تصنيفه الاستثماري الأخير. وهذه علامة ثقة يجب أن تمتد الآن إلى المجال السياسي”. لكنه يُحذّر من أن هذا الانضباط يجب أن يترافق مع سياسة اجتماعية مُستهدفة ومستدامة. “يجب أن تُوجّه سياساتنا الاجتماعية بشكل أفضل نحو الفئات السكانية الهشة. يجب أن يُصبح التعليم والصحة في المناطق القروية من الأولويات. العدالة الاجتماعية والانضباط المالي لا يتعارضان، شريطة وجود إدارة دقيقة ونظام ضريبي أكثر عدالة”.
كما يُشدد السيد حاتم على البعد الجماعي للتغيير. “يجب ألا تكون الأخلاقيات مسؤولية جهة واحدة، بل يجب أن تُنفذ من قِبل جميع المؤسسات، والمجتمع المدني، والقطاع الخاص. يجب أن يكون القادة والاطر الحكومية قدوة في النزاهة والمساءلة. إنهم البوصلة الحقيقية للتنمية”. وهكذا، يربط الإصلاح الحالي بين طموحين كانا متوازيين حتى الآن: التعافي الأخلاقي والأداء الاقتصادي.
ويختتم السيد حاتم قائلاً: “لا تنمية اقتصادية بدون تنمية بشرية. ولا تنمية بشرية بدون قدوة سياسية”.


