حميد قاسمي-تنوير
في اليوم العالمي للأشخاص في وضعية إعاقة، تتدافع الشعارات كما تتدافع الأمواج على صخور الشاطئ: ضجيج كثير، ورغوة بلا أثر. احتفال أممي يُفترض أن يوقظ النائم في ضمير الدولة، فإذا به يتحول عندنا إلى مشهد احتفالي مبتور، يُنسب فيه الفضل للأرقام لا للإنسان، ويُستعاد فيه الكلام نفسه الذي استهلكته المناسبات حتى تآكل معناه.
هو يومٌ يعيد الإنسان إلى أصل السؤال، إلى ما قاله فيكتور هوغو حين جعل ضعف الفئات مرآةً لقوة الأمم، وإلى تحذير نيتشه من مجتمع يهذب خطابه لكنه يترك جراحه مكشوفة. يومٌ يُفترض أن نواجه فيه الحقيقة، لا أن نغطيها ببلاغات لامعة وصور تذكارية.
وسط هذا الركام، تُسلَّط الأضواء على بطاقة تخفيض للقطارات. بطاقة تُقدَّم كما لو كانت نصرًا مبينًا وفتحاً اجتماعياً خارقاً، بينما هي مجرد رتوش على سطح أزمة تضرب عمق الحياة اليومية. هل النقل هو مشكلة الشخص المعاق؟ هل نصف ثمن تذكرة قادرة على أن تُسكت صوت السكن الغائب، والدخل المنعدم، والتعليم المترنح، والصحة المعطوبة، والشغل المقتول على أبواب الإدارات؟
وهل يكفي أن نخفض ثمن السفر بينما المعاق لا يملك حتى الثمن الذي فُرض عليه تحمله؟
إن الدولة التي تختزل الإعاقة في بطاقة تخفيض تشبه من يحاول إطفاء حريق غابة بكأس ماء.
الإعاقة ليست تنقلاً. الإعاقة بنية اجتماعية مختلة، هندسة عمومية عمياء، وواقع يفضح ضعف الإرادة قبل ضعف البنية.
في السكن، تنكشف الهوة السحيقة: أسر تبحث عن جدار يأويها، فتجد جدران السياسات أكثر هشاشة من البيوت نفسها.
وفي غياب منح شهرية عادلة، يعيش الآلاف على هامش الحياة، كأن الحق في الدخل كرامة مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
أما الصحة، فهي صفحة سوداء في سجل الدولة الاجتماعية. من قاعات العلاج إلى أقسام الطوارئ، يتعرّى الواقع: تجهيزات غير ملائمة، مسارات علاج بلا مراعاة، ومؤسسات لا تُصغي لخصوصية الإعاقة. أي عدالة هذه التي تجعل المريض يمرض من الطريق إلى العلاج؟
وفي التعليم، تتكرر المأساة. منظومة بلا إدماج، أقسام بلا تجهيز، مناهج بلا رؤية. مدرسة لم تتعلم بعد أن الاختلاف قيمة لا عبئاً. ثم يأتي الشغل، ذلك الباب الذي لا يُفتح إلا لمن يحمل شهادات، بينما تُترك فئات واسعة واقفة في الظل، بلا تكوين، بلا فرصة، بلا أفق.
أما الولوجيات، فهي جرح يومي. أرصفة محطمة، إدارات ومؤسسات عمومية بلا تجهيزات، بنايات تُعلن حرباً على الجسد المختلف. من لم يفهم معنى الإقصاء، فليجرب يوماً واحداً في كرسي متحرك.
كل هذا يحدث بينما تُرفع راية الدولة الاجتماعية في الخطب الرسمية. دولةٌ تتحدث عن التضامن أكثر مما تمارسه، وتعد بالإصلاح أكثر مما تنفذ، وتُنتج سياسات كأنها صدى بعيد لكلمات لم تُكتب لإحداث التغيير، بل لإحداث الاطمئنان.
لو كان كامو بيننا لقال إن العبث ليس في عجز الدولة، بل في قدرتها على الاحتفال بعجزها.
إن الفجوة ليست في بطاقة ولا في تخفيض. الفجوة في رؤية غائبة عن معناها، وفي دولة تَقِف عند حدود التجميل ولا تمضي إلى جوهر الإصلاح. ما لم تتغير البنية الذهنية قبل البنية المؤسساتية، سيظل الشخص في وضعية إعاقة رقماً يُضاف إلى التقارير لا إنساناً يستعيد مكانه.
وفي ختام هذه المأساة المنسقة، لا يسعنا إلا أن نهدي هذا اليوم العالمي مرآته الساخرة، بما يليق بوضع يكرر نفسه أكثر مما يتغير:
كل عام والشخص المعاق المغربي ليس بخير ..
كل عام وهو يعيش نصف حق ونصف حضور ..
كل عام وهو يُمنح ما يُسكِت لا ما يُنصِف ..
كل عام وهو يحصي الوعود أكثر مما يحصي الإنجازات ..
كل عام وهو ينتظر إصلاحاً بلا موعد ..
كل عام وهو يواجه مؤسسات تتعثر قبله ..
كل عام وهو يحتفل بيوم لا يخصه ..
كل عام وهو يدفع ثمن ما لم يختره ..
كل عام… والدولة الاجتماعية مشروع لم يكتمل، والكرامة سفر مؤجل، والإنصاف فكرة تتجول بلا عنوان