وجهة نظر

طقوس الإنكار: اعترافات موسمية تخفي خطيئة الفشل البنيوي

المنوزي
لستُ — على قدري المتواضع — من محترفي التشكيك في نوايا أصحاب الاعترافات الموسمية، ولا من خبراء تفكيك طقوس نقد الذات التي لا تجرؤ يومًا على جلد جسد السلطوية المتغلغلة في أغلبية النخبة المنتقاة والصفوة المنتخبة. لكن دعوني أبحث عن “مبررات واقعية” لهذا الفيض من الإنكارات المصففة في هيئة إقرارات، تمامًا كما يفعل المتهم الفصيح حين يعترف بمخالفة بسيطة ليخفي جنحة مطلية بثلاث طبقات من الحناء السياسية.
ما نشهده ليس جرأة نقدية، بل طقسًا موسميًا لإدارة الأزمات. أشبه بمسرحية اعتراف مكتوبة بعناية، يُلقي فيها المتهم جملة “أتحمّل المسؤولية” كما تُلقى النذور الخفيفة، ليحجب وراءها الجناية الكبرى: فشل بنيوي مزمن في الانتقال من التقليد إلى الحداثة، ومن الاستبداد إلى الديمقراطية، فشل يتم تجميله بخطاب وطني، وشعارات تنويرية، ونظريات مستوردة تُستعمل كديكور معرفي لا أكثر.
هنا يظهر التطبيق المحلي — والمشوّه — لنظرية “الشر التافه”. فإذا كانت حنّا أرندت قد فرّغت الشر من بطولته ونسبته للروتين البيروقراطي الذي لا يفكر، فإن شرّنا نحن أكثر تواضعًا… وأشدّ سماجة. شرّ يقوم على روتين تبريري لا يفعل شيئًا سوى إطلاق بيانات باردة، وتنميق سرديات مستعملة، وتحويل التخلف التاريخي إلى قدر جيوسياسي محفوظ في أرشيف الدولة العميقة. إنه “شر تافه” بنبرة مزدوجة: نبرة مستبد يوجّه، ونبرة مثقف تنويري يبرّر… وكلاهما يلتقيان على مائدة واحدة: مائدة إنكار الواقع.
والمشهد، لمن يحتاج مثالًا، قريب من أولئك الذين يكفون عن شرب الخمر أربعين يومًا قبل رمضان بدعوى أن الكحول يبقى في الدم، حيث المشكلة ليست في بقاء الخمر في الجسد، بل في دوام السُّكر… السياسي. سكر السلطة والامتياز والخطاب الوثوقي، سكر يجعل النخبة ترى العالم بعيون أمنية ضيقة، وتحوّل اليأس الاجتماعي إلى “خطر” بدل أن تفهمه كعرض لمرض عميق.وبدل معالجة الجذور، تُصرف الطاقة كلها في “أمننة اليأس”: يصبح الشعور الجماعي بالتيه والعبث ملفًا يجب احتواؤه بالسرديات لا بالحلول. تُبتكر روايات ركيكة عن مؤامرات خارجية، أو “عدم نضج الشعب”، أو “خصوصية المرحلة”، لسدّ الثقوب الكثيرة في شرعية مهترئة. يصبح النقد الذاتي مجرد تنفيس موسمي، بينما يستمر الجسد السياسي في غيبوبته، مطمئنًا إلى أنه يقود السفينة، وهو في الحقيقة يدور حول نفسه في بحر من الإنكار المزخرف باعترافات شكلية. لتظل المحصلة؟ نحن أمام آلية إنكار متطورة: لا تكتفي بإنكار الوقائع، بل تخترع واقعًا بديلًا بالكلمات. يتحول الفشل إلى “تحدٍّ”، والجمود إلى “حكمة”، والاستبداد إلى “ضرورة مرحلة”. ويبقى السؤال الفاضح معلّقًا فوق الرؤوس: متى نُقلع عن هذا السكر السياسي، ونعترف أن الامتناع عن “الكحول الحقيقي” — أي هياكل السلطة العتيقة والعقلية الأبوية — يحتاج إلى أكثر من طقوس موسمية؛ يحتاج إلى ثورة في الضمير والمساءلة… وليس إلى حيلة اعتراف تُخفي خلفها جناية أكبر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى