ثقافة و فن

دلالة الصمت في شريط “نهاية أخرى” لطارق رسمي- شفيق الزكاري

  حكاية أخ مع أخيه، بعدما أن أتعبت الشيخوخة والمرض الأخ الكبير، تكفل بمساعدته الأخ الصغير ضمن شريط درامي قصير يحكي فيه المخرج معاناة مزدوجة في حلة صامتة يغمرها الرمز والتأويل تعبيرا عن مدى قوة وصرامة الموضوع المطروح، لعب فيهما الممثلان سليمان الطالحي والجيلالي بوجو دورا ثنائيا احترافيا ومحوريا يعيد ترتيب السرد السينمائي في قالب رمزي كانت الملامح التعبيرية فيه عنوانا للقضية المطروحة.


ولكي لا ننساق إلى إعادة الحكاية والابتعاد عن الجانب الأدبي لأحداث السرد الروائي الذي تضمنه الشريط، لا بد وأن نركز على الجانب التقني والحرفي الذي يعكس مضمون هذا الشريط والاعتماد على المشاهد للوصول إلى مغزى ما يطرحه المخرج من قضايا، بما أن المتلقي في حضرة لوحات مرئية تدعوه وتحفزه على التفكير في المغزى والمضمون الإجمالي لهذا الفيلم القصير الذي استطاع أن يلخص بشكل موجز ومركز أهم محتويات الفكرة الرئيسية، وهذا ما يجب أن تتناوله بالفعل السينما بشكل عام، لكي ينسلخ الموضوع السردي عن الإشكالات التقنية والفنية التي جاءت السينما لتناولها، فاستجاب المخرج طارق رسمي لهذه الفكرة في هذا الفيلم، حيث وظف عددا من الأجناس الفنية التي تحوم حول مفهوم السينما، باعتماده على اقتناص اللحظات المثيرة في الفيلم من خلال تأطيرات مختلفة من شتى الأحجام وتوظيفه بإتقان عنصري الظل والعتمة، مع توسله بتاريخ الفن التشكيلي منذ بداية أحداث الشريط، خاصة في استعمال النوافذ من الداخل إلى الخارج، بمعنى أنه جعل المتلقي عينا تطل على الفضاءات الداخلية بمفهوم عمل الفنان الكطلاني سالفدور دالي في عمله بعنوان “عند النافذة” الذي أنجزه سنة 1925 وتأطيره بنفس الفكرة في “نهاية أخرى”.
إن فيلم “نهاية أخرى” يمكن تصنيفه ضمن الفنون الاختزالية أو ما يسمى بالإنجليزية “Minimal Art” الذي يعتمد على الاقتصاد في الإمكانيات التي تدفع الفنان بأن يحرص على الاقتضاب في الوسائل المستعملة وتجنب السقوط في الأعمال التزينية، وهذا ما حصل مع المبدع طارق رسمي موظفا حاسته الإبداعية، ليضفي على شريطه قوة الخلق والابتكار ضمن أسلوب وسيلته الكاميرا.
لم يجعل المخرج من السيناريو هدفا في حد ذاته بل عوضه بامتداد الكتابة السينمائية التي تعتبر جزءا من هذا السيناريو، حتى يجعل من الصمت عنوانا لتجربته الشخصية في التعامل مع الإحساسات والتعابير الصامتة التي شخصها الممثلان بامتياز وهما الجيلالي بوجو وسليمان الطالحي، اللذان جعل المتلقي يعيش أحداث هذا الفيلم بعمق شعوري حقيقي خال من الافتعالات المصطنعة.
إن الصمت في “نهاية أخرى” اتخذ بعدا مختلفا فيما عهدناه في الأفلام التي اختزلت الموضوعة الفيلمية في كثرة وانسياب الكلام، بل استخدمه المخرج في خلق نوع من التوتر وإثارة تفاعل المشاهد باعتباره منفذا لعوالم مختلفة مرتبطة بتأويل وقراءة المتلقي، وكما قال جبران خليل جبران بأنه تعلم الصمت من الثرثار، فالصامتون في اعتقاده يعملون بفعالية أكثر من غيرهم، وبالتالي فإن الهدف من احتضان عنصر الصمت في عمل طارق رسمي هو إسعاد الآخرين.
إذن، فالصمت من منظور فلسفي كما جاء في أحد التعريفات هو ليس مجرد غياب للكلام، بقدر ما هو حالة وجودية تحمل أبعادا عميقة تتجلى في التجربة الإنسانية، إنه حضور مختلف للكلمات، هو بمثابة لغة تتجسد في الإيماءات والتأمل والصور الذهنية، وهو في هذا السياق يحفظ المعاني من التشويه ويصونها من السطحية والتبسيط المفرط، فكان الصمت في هذا الفيلم إجابة ضمنية عن المحتوى الإجمالي لمغزى الأحداث فيه، وبهذا يكون شريط “نهاية أخرى” لمخرجه طارق رسمي، نموذجا يقتدى به في التعبير عن ماهية الصمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى