ثقافة و فن

“صوت هند رجب” لكوثر بن هنية.. حين تتحول السينما إلى شهادة ضد النسيان

 الحنبلي عزيز

في فيلمها الجديد “صوت هند رجب”، تواصل المخرجة التونسية كوثر بن هنية الاشتغال على منطقة شائكة بين الوثائقي والروائي، بين الشهادة الفنية والجرح الإنساني المفتوح. فالفيلم لا يكتفي باستعادة واقعة مأساوية من حرب غزة، بل يحولها إلى تجربة سينمائية مكثفة، مركزها صوت طفلة فلسطينية عالقة داخل سيارة تحت النار، ومحاولة يائسة من مسعفي الهلال الأحمر لإنقاذها.

كوثر بن هنية، المولودة في سيدي بوزيد بتونس، تعد اليوم من أبرز الأصوات السينمائية العربية. درست السينما في تونس، ثم واصلت تكوينها في فرنسا، خصوصاً في “لا فيميس” والسوربون. منذ بداياتها، انشغلت بأسئلة السلطة والجسد والعدالة والعنف الاجتماعي، ونجحت في بناء أسلوب خاص يمزج بين الواقعية، والتحقيق، والدراما النفسية، والتجريب السردي.

عرفها الجمهور من خلال أعمال عدة، من بينها “شلاط تونس”، و**“زينب تكره الثلج”**، ثم فيلمها اللافت “على كف عفريت” الذي عُرض في مهرجان كان، قبل أن تحقق اختراقاً عالمياً بفيلم “الرجل الذي باع ظهره”، أول فيلم تونسي يصل إلى ترشيحات الأوسكار في فئة أفضل فيلم دولي. ثم جاءت “بنات ألفة”، التي جمعت بين الوثائقي والتمثيل، ونالت صدى نقدياً واسعاً وترشيحاً للأوسكار في فئة الفيلم الوثائقي. بهذا المسار، أصبحت بن هنية واحدة من أكثر المخرجات العربيات حضوراً في السينما العالمية.

في “صوت هند رجب”،الفيلم إنتاج تونسي ـ فرنسي، مدته نحو 89/90 دقيقة، وتصويره لخوان سارمينتو، وموسيقاه لأمين بوحافة، تعود المخرجة إلى تقنية المزج بين الحقيقة والتمثيل، لكنها هذه المرة أمام مادة أشد حساسية. الفيلم يستند إلى قصة الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي علقت داخل سيارة في غزة، بينما كان متطوعو الهلال الأحمر يحاولون إبقاءها على الخط وترتيب عملية إنقاذها وسط تعقيدات ميدانية وإنسانية قاسية.

لا تقدم بن هنية القصة من موقع الحدث المباشر فقط، بل تختار أن تضع المتفرج داخل غرفة الاتصال، حيث يسمع العاملون في الإسعاف صوت الطفلة، ويراقبون الزمن وهو يتحول إلى عدو. هنا تصبح الحكاية ليست فقط عن طفلة محاصرة، بل عن العجز الإنساني أمام آلة الحرب، وعن المسافة القاتلة بين الاستغاثة والإنقاذ.

سيناريو الفيلم يقوم على بناء مكثف ومغلق. لا توجد حبكة تقليدية تقوم على تعدد الشخصيات والأحداث، بل هناك وضع درامي واحد يتصاعد ببطء: صوت في الطرف الآخر من الهاتف، ووجوه متوترة تحاول أن تفعل شيئاً. هذا الاختيار يمنح الفيلم قوة خاصة، لأنه يحول الانتظار إلى مأساة، والصمت إلى لغة، والتنفس المتقطع إلى عنصر درامي.

في الإخراج، تراهن كوثر بن هنية على الاقتصاد والتوتر. لا تبحث عن المشهدية الصاخبة ولا عن العنف البصري المباشر، بل تترك للصوت أن يقود الصورة. فصوت هند ليس مجرد وثيقة، بل هو قلب الفيلم وروحه. إنه الصوت الذي يربك الممثلين والشخصيات والجمهور معاً، ويدفع الجميع إلى مواجهة سؤال أخلاقي قاس: كيف يمكن للعالم أن يسمع طفلة تطلب النجدة ولا يستطيع إنقاذها؟

أما على مستوى الصورة، فيبدو الفيلم قائماً على فضاء شبه مغلق، يضاعف الإحساس بالاختناق والعجز. الكاميرا لا تطارد الحرب في الخارج، بل تلتقط آثارها على الوجوه والأيدي والنظرات. بهذا المعنى، تتحول غرفة الاتصال إلى مسرح إنساني صغير، تختزل داخله المأساة الكبرى. التصوير لا يتعامل مع المكان باعتباره ديكوراً، بل باعتباره منطقة ضغط نفسي، حيث كل ثانية تحمل ثقلاً أخلاقياً.

جمالياً، ينتمي الفيلم إلى ما يمكن تسميته بـ“سينما الشهادة”. فهو لا يصنع الفرجة من الألم، بل يحاول تحويل الألم إلى ذاكرة. قوته لا تأتي من الزينة البصرية أو الاستعراض التقني، بل من قدرته على جعل المتفرج شاهداً لا مستهلكاً. إن بن هنية تدفع الجمهور إلى الجلوس داخل المأساة، لا إلى النظر إليها من بعيد.

الحوارات في الفيلم قليلة ومشحونة. كثير منها يأتي في شكل محادثات هاتفية، تعليمات، محاولات تهدئة، أسئلة مرتبكة، وصمت ثقيل. الحوار الأساسي ليس بين الشخصيات فقط، بل بين الصوت والحضور، بين الطفلة التي تستنجد والعالم الذي يتأخر. ولهذا تبدو الكلمات أحياناً عاجزة، بينما يصبح الصمت أكثر بلاغة من أي خطاب.

درامياً، لا يقوم التشويق في الفيلم على سؤال: ماذا سيحدث؟ فالمأساة معروفة في سياقها العام. التشويق الحقيقي يكمن في كيفية عيش تلك اللحظات، وفي قدرة السينما على إعادة بناء الزمن النفسي للكارثة. المشاهد لا ينتظر مفاجأة، بل ينتظر معجزة يعرف أنها قد لا تأتي. وهذه هي قسوة الفيلم وعمقه في آن واحد.

لاقى “صوت هند رجب” استقبالاً نقدياً واسعاً، خاصة بعد عرضه في مهرجان فينيسيا، حيث أثار تأثراً كبيراً ونقاشاً حاداً حول حدود السينما عندما تتعامل مع مأساة حديثة ومفتوحة. أشاد عدد من النقاد بقوة الفيلم الأخلاقية وباختياره الجمالي القائم على التقشف والإنصات، فيما أثار آخرون أسئلة حول صعوبة تحويل ألم حقيقي، خصوصاً ألم طفلة، إلى عمل سينمائي. غير أن هذا الجدل نفسه يؤكد أهمية الفيلم، لأنه لا يترك المتلقي في منطقة الراحة.

وقد توج الفيلم بجائزة الأسد الفضي، الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان فينيسيا، إضافة إلى جوائز موازية أخرى، كما مثل محطة جديدة في مسار كوثر بن هنية العالمي، بعد نجاحات “الرجل الذي باع ظهره” و“بنات ألفة”. كما حظي بترشيحات واهتمام دولي واسع،اخرها المهرجان الدولي للسينما الافريقية ب خريبكة المغرب الذي ينتصر لصوت هند رجب لكوثر بن هنية ويمنحه الجائزة الكبرى ما جعله من أبرز الأعمال العربية التي حملت القضية الفلسطينية إلى واجهة النقاش السينمائي العالمي.

تكمن أهمية “صوت هند رجب” في أنه لا يتعامل مع السينما بوصفها وسيلة للترفيه فقط، بل كأداة مقاومة ضد المحو. إنه فيلم عن طفلة، لكنه أيضاً عن عالم فشل في حمايتها. وعن صوت صغير، لكنه قادر على فضح ضجيج السياسة والحرب والصمت الدولي.

بهذا العمل، تؤكد كوثر بن هنية أن السينما العربية قادرة على أن تكون فنية وسياسية وإنسانية في الوقت نفسه، وأن تلامس القضايا الكبرى دون أن تفقد حسها الجمالي. “صوت هند رجب” ليس مجرد فيلم عن غزة، بل مرثية بصرية وصوتية للبراءة حين تُترك وحيدة في مواجهة الموت، وشهادة سينمائية تؤكد أن الذاكرة قد تبدأ أحياناً من صوت طفل يطلب النجدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى