مجتمع
المنظمة المغربية لحقوق الإنسان تقدّم رؤية حقوقية لقانون المسطرة الجنائية الجديد قبل دخوله حيّز التنفيذ
2025-12-08
372 5 دقائق

الحنبلي عزيز -متابعة
مع اقتراب دخول القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية حيّز التنفيذ يوم الاثنين 8 دجنبر 2025، أصدرت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان مذكرة ترافعية موسّعة تقدم فيها قراءة حقوقية شمولية لهذا الورش التشريعي، وتطرح ملاحظات واقتراحات تروم تجويد النص وضمان ملاءمته مع الدستور والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب.
تؤكد المنظمة أن تفاعلها مع هذا القانون يأتي انسجامًا مع مرجعيتها الحقوقية ودورها الترافعي في مواكبة مشاريع الإصلاح التشريعي ذات الأثر المباشر على الحقوق والحريات، خاصة وأن قانون المسطرة الجنائية ينظّم، عمليًا، المسار الكامل للمحاكمة منذ لحظة توقيف المواطن أو المواطنة إلى غاية صدور الحكم وتنفيذه، ويعكس في عمقه مستوى احترام الدولة لالتزاماتها في مجال المحاكمة العادلة.
قانون جديد في سياق ضغوط جنائية متزايدة
تذكّر المذكرة بالسياق الذي يأتي فيه القانون الجديد، حيث تعرف السياسة الجنائية بالمغرب تحديات بنيوية تتجلى في ارتفاع معدلات الجريمة وتضخم القضايا الزجرية أمام المحاكم، مقابل محدودية الموارد البشرية واللوجيستيكية المتاحة.
فحسب المعطيات المشار إليها، بلغ عدد القضايا الجنحية والجنائية سنة 2024 حوالي 2,55 مليون ملف أمام المحاكم الابتدائية، وقرابة 386 ألف قضية زجرية أمام محاكم الاستئناف، إضافة إلى ما يناهز 2,5 مليون محضر و600 ألف شكاية توصلت بها النيابات العامة، وتقديم حوالي 640 ألف شخص، من بينهم 90 ألفًا أحيلوا على الاعتقال الاحتياطي.
هذه الأرقام، من وجهة نظر المنظمة، تجعل أي إصلاح للمسطرة الجنائية ملزمًا بأخذ البعد الواقعي بعين الاعتبار، وربط النص القانوني بقدرة المنظومة القضائية على التطبيق الفعلي والناجع.
مرجعية حقوقية وملاحظات على ديباجة القانون
تثمن المنظمة التحول النوعي في ديباجة القانون 03.23 مقارنة بالنص الأصلي، من خلال استحضاره الدستور، الخطب الملكية، توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، المناظرة الوطنية حول السياسة الجنائية، النموذج التنموي الجديد، والاجتهاد الدستوري والقضائي، فضلًا عن الإشارة إلى الملاءمة مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
غير أنها تسجل أن الديباجة، في صيغتها الحالية، لم تذهب بعيدًا بما يكفي في تكريس مركزية الحقوق والحريات، إذ لم تُدرِج بشكل صريح عددًا من المرجعيات الدولية الأساسية، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اتفاقية مناهضة التعذيب، اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، المبادئ الأممية المتعلقة باستقلال القضاء ودور النيابة العامة والمحامين، إضافة إلى الملاحظات الختامية الصادرة عن لجان الأمم المتحدة بخصوص تقارير المغرب الدورية.
الحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي: قضايا جوهرية في قلب النقاش
تتوقف المذكرة مطولًا عند نظام الحراسة النظرية، وتعتبر أن القانون الجديد لم يحسم بعد عددًا من الإشكالات العملية، من قبيل:
-
نقطة بداية احتساب مدة الحراسة في حالة توقيف شخص مبحوث عنه خارج النفوذ الترابي؛
-
غياب جزاءات واضحة عند عدم إشعار العائلة؛
-
الغموض حول احتساب المدة التي يقضيها الموقوف بالمستشفى؛
-
عدم التنصيص الصريح على بطلان الإجراءات المنجزة خلال حراسة غير قانونية.
كما تنتقد المنظمة استمرار تقييد حق الاتصال بالمحامي، خاصة في القضايا الإرهابية، وتذكر بالتوصيات الصادرة عن لجنة مناهضة التعذيب والفريق الأممي المعني بالاحتجاز التعسفي، التي تدعو إلى تمكين الموقوف من الاتصال الفوري بمحام دون إذن مسبق، وتقليص مدد الحراسة النظرية، خاصة في إطار قانون مكافحة الإرهاب.
وبخصوص الاعتقال الاحتياطي، تؤكد المنظمة أنه من أخطر التدابير السالبة للحرية، وتدعو إلى:
-
ترشيد اللجوء إليه وحصره في الحالات القصوى؛
-
تقليص مدده القصوى ومنع تمديداته غير المبررة؛
-
تعليل قرارات الإيداع والتمديد تعليلًا مفصلًا؛
-
فتح إمكانية الطعن في شرعية الإيداع؛
-
توسيع اللجوء إلى بدائل المراقبة القضائية بدل الاعتقال.
الحق في الاطلاع والتسليم: التوازن بين الأمن وضمانات المحاكمة
تسجل المذكرة قلقًا خاصًا بشأن تضييق الحق في الاطلاع على ملف القضية خلال مرحلة التحقيق، خاصة في الجرائم المنصوص عليها في المادة 108، معتبرة أن تقييد تسليم نسخ من المحاضر ووثائق الملف، حتى ولو لمدة محدودة، يجب أن يبقى استثناءً مضبوطًا لا يمس جوهر حق الدفاع.
أما في ما يخص مسطرة التسليم (تسليم المطلوبين)، فتشدد المنظمة على ضرورة أن يلتزم التشريع الوطني بمعيار عدم الإعادة القسرية، وألا يتم تسليم أي شخص إلى دولة قد يتعرض فيها لخطر التعذيب أو سوء المعاملة.
وتدعو إلى التنصيص الصريح على الأثر الإيقافي للطعن بإعادة النظر أمام محكمة النقض في قضايا التسليم، ومنع رئيس الحكومة أو أي جهة تنفيذية من إصدار قرار نهائي قبل استنفاد جميع طرق الطعن، انسجامًا مع اتفاقية مناهضة التعذيب وقرارات لجنة مناهضة التعذيب الأممية.
المال العام والمجتمع المدني والعدالة التصالحية
أثارت تعديلات المادة 3 من قانون المسطرة الجنائية نقاشًا واسعًا، حيث بات تحريك الدعوى العمومية في الجرائم التي تمس المال العام مرتبطًا في الغالب بإحالة من مؤسسات محددة (المجلس الأعلى للحسابات، المفتشيات العامة، الهيئة الوطنية للنزاهة…)، مع استثناء حالة التلبس.
ترى المنظمة أن هذا التقييد قد يحد من دينامية مكافحة الفساد، ويمس بدور النيابة العامة واستقلال القضاء، كما قد يتعارض مع حق المواطنين والجمعيات في التبليغ المباشر عن جرائم الفساد، كما تقرره اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والدستور المغربي.
وفي السياق نفسه، تنتقد المذكرة التقييد الجديد لانتـصاب الجمعيات كطرف مدني باشتراط صفة المنفعة العامة وأربع سنوات من التأسيس وإذن خاص من وزارة العدل، معتبرة أن ذلك يضيّق هامش اشتغال المجتمع المدني بدل توسيعه.
في المقابل، تسجّل المنظمة بإيجابية توسيع دائرة العدالة التصالحية والصلح الزجري، عبر رفع سقف الغرامات المشمولة بالصلح، وتبسيط مسطرة التصديق، واعتماد الوساطة تحت إشراف وكيل الملك، مع الدعوة إلى تطوير هذا المسار ليصبح رافعة حقيقية لتخفيف الضغط على المحاكم وتقليص اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية.
رقمنة العدالة وحماية الضحايا ومقاربة النوع
تنوّه المذكرة بالتوجه العام نحو رقمنة الإجراءات القضائية، لكنها تشير إلى استمرار هيمنة الوسائل التقليدية (السجلات الورقية للحراسة النظرية، زيارات مراقبة يدوية…) مع غياب رؤية متكاملة لسجلات إلكترونية وطنية مفعّلة فعليًا، ما يحدّ من الشفافية والفعالية.
أما بخصوص الضحايا، فتسجل المنظمة أن التركيز المؤسسي ينحصر أساسًا في النساء والأطفال عبر خلايا التكفل ومكاتب المساعدة الاجتماعية، دون امتداد آليات الحماية لباقي الضحايا من فئات أخرى، ودون توفير دعم فعلي لتعويضهم عن تكاليف العلاج والتأهيل وفقدان الدخل، خلافًا لاتجاهات تشريعات مقارنة متقدمة.
وتعتبر أن إدماج مقاربة النوع الاجتماعي ما يزال محدودًا، رغم التنصيص على بعض المقتضيات الخاصة بالتبليغ عن الجرائم التي تكون المرأة ضحية فيها. وتدعو إلى:
-
تبسيط ولوج النساء للعدالة وتخفيف شروط الإثبات؛
-
تعزيز وسائل الإثبات في قضايا العنف القائم على النوع؛
-
حظر الوساطة والصلح في قضايا العنف ضد النساء؛
-
اعتبار التقاعس في حماية الضحايا إخلالًا بمبدأ العناية الواجبة؛
-
ضمان الترجمة إلى الأمازيغية واللغات التي تحتاجها الفئات الهشة؛
-
إيلاء عناية خاصة للنساء المهاجرات وفي وضعيات الهشاشة.
إصلاح مجزّأ أم ورش بنيوي شامل؟
عند تقييمها للمنهجية التشريعية المعتمدة، تسجل المنظمة أن تعديل 421 مادة من أصل 757، مع إضافة وحذف وتعويض عدد كبير من المواد، يحوّل القانون فعليًا إلى نص جديد شبه كامل، كان الأولى صياغته في مدونة متكاملة للمسطرة الجنائية بدل البناء على نص قديم مرقّع، بما قد يهدد الانسجام الداخلي للنص ويصعّب تطبيقه وتأويله.
كما تنتقد غياب دراسة أثر تشريعي واضحة تستند إلى معطيات كمية ونوعية حول نجاعة القانون السابق واختلالاته، وكذلك ضعف المقاربة التشاركية في إعداد المشروع، مقارنة بتجارب وطنية سابقة اعتمدت حوارًا وطنيًا واسعًا (مثل إصلاح منظومة العدالة ومدونة الأسرة).
وتلحّ المذكرة على أن إصلاح المسطرة الجنائية يجب أن يتم في انسجام مع مراجعة شاملة للقانون الجنائي، حتى لا تنفصل القواعد الإجرائية عن فلسفة التجريم والعقاب التي يفترض أن تؤطرها.
توصيات ختامية: نحو عدالة جنائية فعّالة ومنصفة
تختم المنظمة المغربية لحقوق الإنسان مذكرتها بمجموعة من التوصيات العملية، من بينها:
-
التفكير في إصدار نص جديد موحّد للمسطرة الجنائية بدل الاكتفاء بتعديلات مجزأة؛
-
تسريع إخراج النصوص التنظيمية مع تحديد آجال زمنية ملزمة؛
-
ترشيد اللجوء للحراسة النظرية والاعتقال الاحتياطي وتدقيق شروطهما؛
-
تعزيز بدائل الرقابة القضائية والعقوبات غير السالبة للحرية؛
-
توسيع العدالة التصالحية مع استثناء قضايا العنف القائم على النوع والقاصرين؛
-
تقوية حماية الضحايا وإشراك جمعيات المجتمع المدني المتخصصة في المواكبة النفسية والاجتماعية؛
-
سد الخصاص في الموارد البشرية القضائية والإدارية وتطوير التكوين؛
-
تسريع ورش الرقمنة، واعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الأحكام وتبسيط الولوج إلى العدالة للفئات الهشة؛
-
مراجعة آليات تقييد انتصاب الجمعيات كطرف مدني وتثمين دور المجتمع المدني في رصد الفساد والدفاع عن الحقوق.



