ثقافة و فن

البعد النفسي لما بين كارثة فيضانات آسفي وفرحة تتويج المنتخب المغربي -تورية لغريب

يحمل الفوز الكروي عادة مشاعر الفرح التي تلتف حولها الجماهير، إذ يعزز هذا الشعور- وهو حسب علم النفس أحد المشاعر الكونية- الروابط الاجتماعية بحيث يتم إشباع الحاجة النفسية لتخفيف من الضغوطات النفسية، والتأكيد على الشعور بالانتماء والهوية الجماعية. وقد كان لفوز المغرب بكأس العرب ونحن نشرف على نهاية سنة 2025، وقع إيجابي كبير على الشعب المغربي، بحيث تباينت أشكال الفرح بهذا الفوز المستحق، بين من خرج إلى الشارع حاملا علم المغرب وبين من اكتفى بالتعبير عن فرحته على صفحته بإحدى وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنّ هذا الشعور لم يُلغِ مشاعر الأسى التي تلت الفاجعة التي حدثت بمدينة آسفي منذ أيام، والتي خلّفت خسائر في الأرواح والممتلكات.
إنّ مظاهر الاحتفال بهذا الفوز الكروي الكبير لم تُلغ الشعور النبيل بالتعاطف مع المتضررين من فاجعة آسفي ولا تمنع فرحة الانتصار
الكروي. كيف ذلك ؟
من وجهة نظر نفسية إكلينيكية:
النفس بطبيعتها لا تميل إلى ماهو مؤلم ومستعصٍ على الفهم، لذلك فإن الفرد عندما يواجه حدثا أليما مثل الكوارث الطبيعية، فإنه يكوّن آليات دفاعية لصدّ هذا الأذى الذي من شأنه أن يفقده التوازن النفسي الطبيعي، وهو مايعكس حاجة الإنسان للنجاة على مر العصور. من ضمن هذه الآليات النفسية الدفاعية نجد :
* الإزاحة ( le déplacement): بحيث يتم تحويل الألم إلى فرح. وهو شعور بمثابة تنظيم انفعالي دفاعي وليس استهانة بشعور الآخرين كما قد يُفسّر أخلاقيا.
* الإنكار الجزئي ( le déni partiel): مما يعني تعليق الحدث المؤلم مؤقتا وليس إنكاره بصفة قطعية .
وبهذا تتحقق النجاة المؤقتة من مشاعر القلق والعجز التي تصاحب عادة فوضى الكارثة، ويتحقق الهروب من المشاعر السلبية كالحزن لفترة طويلة الأمد والذي من شأنه أن يتطور إلى اكتئاب…إلخ.
الانسان بطبيعته، يحتاج رمزا للحياة والاستمرار، الفوز إذن في هذه الظرفية القاسية يأتي بمثابة دليل لا واعي على أنّ الحياة لم تتوقف، وهو مايمكنه تكسير الشعور السائد بالعجز والتوتر.
طبيعة كرة القدم كرياضة جماعية، وتتويج المنتخب المغربي يحملان رمزية ترميم الأنا الجمعي، بالنظر للضغوطات الاقتصادية، والهشاشة الاجتماعية التي خلفت أزمات متكررة خلال الأشهر الماضية.
إنّ طبيعة الفرح كشعور طبيعي، يأتي غالبا مصحوبا بالصخب المعلَن، وهو ما قد يُساء تفسيره أخلاقيا، في حين تتخذ طبيعة الحزن شكل الصمت، إلا أنّ استدعاء القدرة على التكيّف مع الاحداث، داخل وعاء مجتمعي يستوعب تناقض المشاعر وحدّة الانفعالات، لكن دون أن يفقد آلية التعاطف، وهو الأمر الذي يستوجب وعيا أعمق بالتركيبة النفسية الشائكة للإنسان دون ترجيح كفة عن أخرى.

تورية لغريب أخصائية نفسية إكلينيكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى