ثقافة و فن

رحيل داوود عبد السيد… “شاعر السينما” الذي حوّل أسئلة المجتمع إلى أفلام خالدة

الحنبلي عزيز -متابعة 

لم يكن داوود عبد السيد من أولئك الذين يطاردون الصخب، ولا من المخرجين الذين يراهنون على “الوصفة المضمونة” في شباك التذاكر. كان أقرب إلى حكّاءٍ هادئ، يضع أذنه على نبض المدينة ويكتب ما يسمعه من همس الناس وخوفهم وأحلامهم المكسورة، ثم يعيده إلينا في أفلامٍ تبدو بسيطة من الخارج، لكنها تُخفي في داخلها أسئلةً حادة عن الحرية والسلطة والنجاة الفردية وسط عالمٍ يتبدّل بسرعة.

في 27 ديسمبر/كانون الأول 2025، أُعلن عن وفاة المخرج والسيناريست المصري داوود عبد السيد عن 79 عاماً في القاهرة، لتنطفئ واحدة من أكثر الأصوات السينمائية العربية صرامةً وعمقاً، صوتٌ لم يتعامل مع الفيلم باعتباره حكاية تُروى فقط، بل باعتباره امتحاناً أخلاقياً وفكرياً يترك المشاهد في منطقة رمادية لا تمنحه يقيناً سهلاً. 

من القاهرة إلى المعهد… بداية تتشكّل بعيداً عن الأضواء

وُلد داوود عبد السيد في القاهرة يوم 23 نوفمبر 1946، وتخرّج في المعهد العالي للسينما عام 1967. وكانت بدايته المهنية “تحت السلم” بالمعنى النبيل للكلمة: تعلّم الصنعة من الداخل، وعمل مساعداً للمخرج يوسف شاهين في فيلم «الأرض»، ثم راكم خبرته في مسارات متعددة قبل أن يصير اسماً قائماً بذاته. 

هذه البداية ليست تفصيلاً في السيرة؛ لأنها تفسّر جانباً من “أخلاق الصناعة” عنده: احترام التفاصيل، والانحياز لنبض الواقع، والاشتباك مع المجتمع لا الهروب منه. حتى عندما اشتغل لاحقاً على أفلام روائية تحمل مسحةً فلسفية واضحة، بقيت قدماه مغروستين في الشارع، في أزقّة القاهرة، وفي شقق الطبقة الوسطى، وفي أحلامٍ صغيرة تتهشم على أبواب سلطةٍ ما—قد تكون سلطة المال، أو الأمن، أو العُرف، أو حتى سلطة الخوف داخل الإنسان.

مشروعه الفني: سينما لا تمنح إجابات جاهزة

إذا أردت أن تختصر مسيرة داوود عبد السيد في جملة واحدة، فستقول: هو مخرج جعل من السينما مساحةً للسؤال. لهذا غالباً ما تأتي شخصياته محمولةً على مفارقات: بطلٌ يبحث عن ذاته في متاهة، أو رجلٌ يُختبر داخل “منظومة” لا تُرى، أو مدينةٌ تبتلع ساكنيها ثم تتظاهر بأنها لم تفعل. وفي كل مرة، كان عبد السيد يرفض الحلول الخطابية المباشرة؛ يترك النهاية مفتوحة، ويُبقي الرماد فوق الجمر كي لا يبرد السؤال. 

«البحث عن سيد مرزوق»… بوابة المتاهة

يُعد فيلم «البحث عن سيد مرزوق» من العلامات التي مهّدت لمكانته بوصفه “مخرج المتاهة الاجتماعية”. هناك دائماً بابٌ يُفتح ثم يقود إلى بابٍ آخر، ثم إلى غرفةٍ أخرى، وكأن المدينة نفسها صارت اختباراً: هل يمكنك أن تبقى كما أنت وسط شبكة علاقاتٍ تُعيد تشكيلك؟ هذا النوع من الحكايات كان عند عبد السيد تمريناً على رؤية المجتمع من الداخل—لا كعناوين في الصحف، بل كآليات يومية تعمل بصمت. 

«الكيت كات»… الضحك الذي يكشف الجرح

ثم جاء «الكيت كات» (1991) ليصير فيلمه الأكثر رسوخاً في الذاكرة الشعبية والنقدية. في هذا العمل، لا تتقدّم “المأساة” بوجهٍ عابس؛ بل تتقدم أحياناً عبر الكوميديا والسخرية والدفء الإنساني. هنا يتجلى أحد أسرار داوود عبد السيد: قدرته على جعل الضحك طريقاً للوصول إلى الحقيقة. فيلمٌ يُرى بسهولة، لكنك كلما أعدت مشاهدته اكتشفت طبقاتٍ جديدة عن تآكل الأحلام، وعن قدرة الناس على ابتكار معنى للحياة حتى عندما تضيق الدنيا. 

«أرض الخوف»… فيلمٌ عن الدولة… وعن النفس أيضاً

في «أرض الخوف» يصل مشروعه إلى ذروة الفكرة: رجلٌ يُدفع إلى منطقةٍ أخلاقية شديدة التعقيد، بين الواجب والهوية، بين ما يطلبه الجهاز وما تفرضه التجربة، بين “الدور” و”الذات”. لهذا ظل الفيلم مادةً للنقاش لسنوات: هل هو فيلم عن السلطة أم عن الإنسان حين تتغير حدوده الداخلية؟ عند داوود عبد السيد، السؤالان واحد. 

من «مواطن ومخبر وحرامي» إلى «رسائل البحر»… اتساع دائرة الإنسان

واصل عبد السيد اشتغاله على الإنسان المصري في تحوّلاته عبر أفلام مثل «مواطن ومخبر وحرامي»، ثم «رسائل البحر»، وصولاً إلى «قدرات غير عادية» (2015) الذي يُشار إليه غالباً بوصفه آخر أفلامه. وفي هذه المرحلة تتضح نزعةٌ جديدة: أقل صخباً، أكثر تأملاً، كأن المخرج يكتب وصيته الجمالية: لا تكتفِ بسطح الحكاية… فتحت السطح تعيش الأسئلة الأهم. 

كاتبٌ ومخرج… استقلال الرؤية قبل كل شيء

من أبرز ملامح داوود عبد السيد أنه كان في كثير من أعماله مؤلفاً ومخرجاً؛ أي أن صوته لم يكن يمر عبر وسيطٍ يُخفف حدته. ولذلك جاءت أفلامه “مخلصة” لرؤيته: ليست سريعة، وليست تجارية بالمعنى التقليدي، لكنها دقيقة كالمشرط—تلتقط التفصيلة الصغيرة وتحوّلها إلى علامةٍ على زمنٍ كامل. 

جوائز وتكريمات… واعتزالٌ يليق بطبيعته

حصد داوود عبد السيد تقديراً مؤسسياً وثقافياً عبر مسيرته، من بينها جائزة الدولة في الفنون عام 2013 كما تورد الجهات الرسمية المصرية. 

كما أعلن في السنوات الأخيرة ابتعادَه عن الإخراج (وتناولت صحف ومجلات عربية ذلك بوصفه انعكاساً لصعوبات الإنتاج وتبدّل السوق)، في قرارٍ بدا منسجماً مع شخصيته: مخرجٌ لا يصنع فيلماً لمجرد أن يصنعه، ولا يدخل معركةً لا تؤمن شروطها بما يريد أن يقوله. 

ماذا يبقى بعد الرحيل؟

يبقى من داوود عبد السيد أكثر من “قائمة أفلام”. يبقى نموذجٌ لمخرجٍ عربي آمن بأن السينما يمكن أن تكون حرفةً وفلسفةً معاً: حرفة في الإتقان والبناء، وفلسفة في طرح الأسئلة دون ادّعاء امتلاك الحقيقة. وفي زمنٍ تميل فيه الصورة إلى الاستهلاك السريع، تظل أفلامه قادرة على إبطاء خطواتنا، وإجبارنا على النظر مرتين: مرةً إلى الشاشة، ومرةً إلى أنفسنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى