إقدام وزارة الداخلية على فتح موقع إلكتروني من أجل دعوة المواطنات والمواطنين إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدية الدولة في توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وحول مدى احترامها لمبدأ المساواة في الولوج إلى الحقوق الدستورية.
لقد سبق لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي أن تقدم بمقترح واضح وبسيط، يقوم على اعتماد البطاقة الوطنية للتعريف كوثيقة كافية للإدلاء بالصوت يوم الاقتراع، وهو مقترح ينسجم مع الدستور، ومع منطق تبسيط المساطر، ويقطع مع كل أشكال التعقيد التي تُفرغ الحق في التصويت من مضمونه. غير أن هذا المقترح قوبل بالرفض دون تعليل مقنع، ليتم التعويض عنه بمسار رقمي يُقدَّم اليوم وكأنه مدخل للتحديث، بينما هو في الواقع آلية إقصائية جديدة.
فالجميع يعلم أن الأمية ما تزال منتشرة في بلادنا بنسب مقلقة، خاصة في صفوف النساء وساكنة العالم القروي، وأن الولوج إلى الأنترنت، والحواسيب، والهواتف الذكية، ليس متاحًا للجميع. كما أن عدداً كبيراً من المواطنات والمواطنين في المناطق النائية والمهمشة لا يتوفرون لا على البنية التحتية الرقمية ولا على الحد الأدنى من المصاحبة التقنية. فكيف يمكن الحديث عن تسجيل “طوعي” و“رقمي” في ظل هذا الواقع غير المتكافئ؟
الأخطر من ذلك، أن هذا التوجه يكرس الانطباع السائد بأن هناك جهات لا ترغب فعلياً في توسيع قاعدة المسجلين في اللوائح الانتخابية، لأن تسجيل المواطنين بكثافة، ومشاركتهم الواسعة والواعية، من شأنه أن يربك من اعتادوا “صناعة الخرائط الانتخابية” على المقاس، ويغير موازين القوة الحقيقية داخل المجتمع. فالعزوف ليس قدراً، بل نتيجة سياسات متعمدة تُفرغ العملية الانتخابية من بعدها الشعبي والديمقراطي.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، فإننا ندعو وزارة الداخلية إلى:
معالجة كل الإشكالات التقنية والتنظيمية المرتبطة بالموقع الإلكتروني، وتركه مفتوحاً دون آجال ضيقة تُقصي فئات واسعة من المواطنين.
عدم حصر التسجيل في القناة الرقمية فقط، واعتماد آليات ميدانية قريبة من المواطن، خاصة في القرى والمناطق الهامشية.
تمكين الرأي العام، في إطار الحق في الحصول على المعلومة، من معطيات يومية دقيقة حول عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، مع توزيعهم الجغرافي، وذلك عبر نشرات الأخبار الرئيسية ووسائل الإعلام العمومية.
فتح نقاش وطني شفاف حول إصلاح المنظومة الانتخابية، بما يضمن مشاركة فعلية لا شكلية، ويعيد الثقة في المؤسسات.
إن الديمقراطية لا تُبنى بالمنصات الرقمية وحدها، بل بإرادة سياسية حقيقية تجعل من صوت المواطن و المواطنة قيمة، لا عبئاً. وأي إصلاح انتخابي لا ينطلق من مبدأ الشمول والإنصاف وتكافؤ الفرص، سيظل إصلاحاً ناقصاً، بل وقد يتحول إلى أداة جديدة للإقصاء بدل أن يكون جسراً للمشاركة
بقلم ذ فاطنة افيد