الحنبلي عزيز
يبدو أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة أكثر خشونة ووضوحاً في الاصطفافات، مرحلة تُدار فيها الملفات الحسّاسة بمنطق “إظهار الأوراق” بدل تدوير الزوايا. خلال الأيام الأخيرة من ديسمبر 2025، تراكبت ثلاثة مسارات في وقت واحد: تصعيد يمني يحمل بصمات خلاف خليجي داخلي، وقرار إسرائيلي صادم بالاعتراف بـ“أرض الصومال”، وارتدادات أمنية وسياسية تضع مضيق باب المندب في قلب المعادلة. ما جرى ليس مجرد سلسلة أحداث متفرقة، بل مشهد واحد تتداخل فيه الجغرافيا بالمصالح، والاقتصاد بالأمن، والتحالفات القديمة بوقائع جديدة تُرسم على العلن.
اللافت أن حالة “اللعب على المكشوف” بين الرياض وأبوظبي لا يمكن فهمها كخلاف بروتوكولي أو سوء تفاهم عابر. اليمن، منذ سنوات، كان ساحة يُفترض أنها تجمع الحلفاء تحت عنوان مواجهة خصم واحد، لكن الواقع أن الساحة نفسها تحولت إلى مرآة لتعارض الأجندات. السعودية تريد يمنًا موحّدًا بسلطة مركزية قادرة على ضبط الحدود وقطع مسارات التهديد، لأن أي تفكك جنوباً أو شرقاً يعني إعادة إنتاج نقاط رخوة على خاصرتها. في المقابل، الإمارات تعاملت مع الجنوب بوصفه مجال نفوذ استراتيجي واقتصادي يرتبط بالموانئ، وخطوط الطاقة، والطرق البحرية، وبناء شركاء محليين قادرين على الإمساك بالأرض. وعندما تتباين “فلسفة الدولة” بين من يبحث عن استقرار سياسي شامل ومن يفضّل استقرارًا موزعًا عبر وكلاء محليين، يصبح التصادم مسألة وقت لا أكثر.
ما قيل عن ضربات متعلقة بشحنات سلاح أو توتر ميداني ليس سوى “القشرة” التي تخفي جوهر المشكلة: انعدام الثقة. حين تصل العلاقة بين حليفين إلى لحظة يصبح فيها كل طرف مقتنعًا بأن الآخر يحرّك قطع الشطرنج دون تنسيق، فإن الدبلوماسية وحدها لا تكفي لردم الهوة. في تلك اللحظة، يتحول الميدان إلى رسالة سياسية، وتتحول الخطوة العسكرية إلى إعلان موقف، ويصبح “السكوت” مكلفاً أكثر من الضجيج. وهذا يفسّر لماذا تُقرأ التطورات الأخيرة كإشارة إلى انتقال الخلاف من السر إلى العلن، ومن إدارة التناقضات إلى اختبار حدود القوة والنفوذ.
في هذا المناخ المتوتر جاء الاعتراف الإسرائيلي بـ“أرض الصومال” ككبريت فوق حقل قش. القرار في ظاهره خطوة دبلوماسية تخص القرن الأفريقي، لكنه في عمقه امتداد مباشر لحرب النفوذ حول البحر الأحمر وباب المندب. الاعتراف لا يُقاس فقط بمعناه القانوني أو رمزيته السياسية، بل بما يفتحه من أبواب للتعاون الأمني والاقتصادي والتموضع في منطقة تُعدّ شرياناً للتجارة العالمية. وباب المندب ليس مجرد مضيق؛ إنه “زر” يمكن أن يؤثر على سلاسل الإمداد، والتأمين البحري، وأسعار الطاقة، ويضغط على ممرات أخرى كقناة السويس. لذلك يصبح توقيت الاعتراف جزءاً من لعبة أكبر: من يضع قدماً هناك يرسل رسالة إلى من يراقب هنا.
هنا بالضبط يلتقي الخيطان: اليمن والقرن الأفريقي. فالمضيق الذي تتجاور على ضفتيه اليمن والقرن الأفريقي هو ذاته الذي يعيد ترتيب أولويات العواصم. أي اختلال أمني في جنوب البحر الأحمر ينعكس فوراً على حسابات الخليج، وعلى حسابات مصر، وعلى مصالح القوى الدولية. ومن هذا المنظور، يمكن فهم القلق العربي الواسع من الاعتراف الإسرائيلي: ليس لأن الخرائط تتغير فقط، بل لأن “منطق التغيير” نفسه بات يقترب من خطوط الملاحة الحساسة. حين تضاف خطوة إسرائيلية من هذا النوع إلى مشهد يمني ملتهب، تصبح المنطقة أمام احتمال تزايد عسكرة البحر الأحمر، وتزايد السباق على الموانئ والنقاط البحرية، وتحوّل القرن الأفريقي إلى ساحة استقطاب أوسع.
والأخطر في كل ذلك أن المنطقة تتجه نحو نمط إدارة أزمات يقوم على “تفكيك الملفات” بدل حلّها: تهدئة هنا، وتصعيد هناك، وتسويات مرحلية تُبقي جذور النزاع حيّة. ما يحدث يشي بأن التحالفات لم تعد صلبة كما كانت، وأن المصالح الاقتصادية والأمنية باتت تتقدم على شعارات “وحدة الصف”. وفي لحظة كهذه، يصبح “الانفجار” مفهوماً بوصفه نتيجة منطقية لتراكمات طويلة: اختلاف في تصور الدولة اليمنية، تنافس على النفوذ البحري، وتبدلات دولية تشجع اللاعبين الإقليميين على اختبار الخيارات الأكثر جرأة.
إذا كان هناك درس واحد من مشهد الأيام الأخيرة، فهو أن الإقليم يتحول من سياسة الرسائل المواربة إلى سياسة الخطوات الحاسمة. وحين يبدأ الجميع في “اللعب على المكشوف”، تقلّ مساحات التراجع، وتزداد احتمالات سوء الحسابات. أما باب المندب وقرار الاعتراف بـ“أرض الصومال”، فهما ليسا تفصيلاً على الهامش، بل علامة على أن خريطة النفوذ تُرسم الآن قرب الماء… حيث الخطأ الصغير قد تتحول كلفته إلى أزمة كبرى.