وجهة نظر

لماذا دخلت السعودية والإمارات حرب اليمن؟ كيف تشابكت مصالحهما؟ ومتى ولماذا بدأ الخلاف؟

  الحنبلي عزيز-تنوير 

* صورة المقال من BBC NEWES ARABIC

منذ إطلاق عملية «عاصفة الحزم» في مارس/آذار 2015، دخلت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة الحرب في اليمن ضمن تحالف عربي رُفع له شعاران أساسيان: دعم “الشرعية” اليمنية ومنع تحوّل البلاد إلى بؤرة تهديد للأمن الإقليمي. غير أن تطورات السنوات اللاحقة كشفت أن أهداف التدخل لم تبقَ محصورة في الإطار العسكري، بل تشابكت فيها الحسابات السياسية والأمنية والاقتصادية، ما أفضى تدريجياً إلى تباين في الرؤى بين الرياض وأبوظبي، قبل أن يتحول هذا التباين إلى خلافات علنية في عدد من المحطات الحساسة.

بالنسبة للسعودية، جاء التدخل في اليمن انطلاقاً من اعتبارات أمنية بالدرجة الأولى. فاليمن يمثل عمقاً استراتيجياً مباشراً للمملكة، وسيطرة جماعة الحوثي على صنعاء وتمددها نحو المناطق الحدودية، إلى جانب امتلاكها قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، شكّلت تهديداً مباشراً للأمن الوطني السعودي. كما رأت الرياض في صعود الحوثيين امتداداً لنفوذ إيراني متزايد في المنطقة، ما جعل اليمن ساحة من ساحات الصراع الإقليمي. وإلى جانب ذلك، تمسكت السعودية بخيار الحفاظ على الدولة اليمنية الموحدة ومنع انهيارها الكامل، لما لذلك من انعكاسات خطيرة على استقرار المنطقة بأسرها.

في المقابل، دخلت الإمارات الحرب بدوافع مختلفة نسبياً. فقد ركّزت منذ البداية على محاربة التنظيمات المتشددة في جنوب اليمن، خصوصاً تنظيمي “القاعدة” و“داعش”، وقدمت تدخلها على أنه جزء من الحرب على الإرهاب. كما أولت أهمية كبرى لتأمين السواحل والموانئ الاستراتيجية، نظراً لموقع اليمن الحساس على مضيق باب المندب وخطوط الملاحة الدولية. وفي هذا السياق، دعمت أبوظبي تشكيل قوى محلية في الجنوب، تطورت لاحقاً إلى كيانات سياسية وعسكرية، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي الذي أُعلن عنه سنة 2017.

في السنوات الأولى من الحرب، بدا أن مصالح السعودية والإمارات متقاطعة إلى حد كبير. فقد اشتركتا في هدف منع سيطرة الحوثيين على كامل البلاد، وتقاسمتا الأدوار ميدانياً؛ إذ قادت الرياض المسار السياسي والعسكري الجوي، بينما تولت أبوظبي إدارة العمليات البرية في الجنوب والساحل عبر قوات محلية موالية لها. غير أن هذا التقاطع كان يحمل في داخله بذور الخلاف، إذ بدأت الرؤى تتباعد حول مستقبل اليمن وشكل الدولة فيه.

ففي حين تمسكت السعودية بخيار “اليمن الموحد” كإطار للحل السياسي، استثمرت الإمارات في قوى جنوبية تحمل مشروعاً سياسياً مختلفاً يقوم على استعادة ما تسميه “دولة الجنوب”، أو على الأقل فرض شكل من أشكال الحكم الذاتي الواسع. ومع تصاعد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي على الأرض، بدأت الخلافات تظهر بشكل أوضح، خاصة بعد اندلاع مواجهات بين قوات موالية للحكومة الشرعية وأخرى مدعومة من أبوظبي في عدن ومناطق جنوبية أخرى.

وتحوّل هذا التباين إلى أزمة فعلية مع اتساع رقعة النفوذ الجنوبي، وطرح أسئلة محرجة داخل التحالف نفسه: هل الأولوية لمواجهة الحوثيين أم لإدارة الجنوب؟ ومن يمثل الشرعية فعلياً على الأرض؟ وهل ما يجري يخدم وحدة اليمن أم يعمّق انقسامه؟

في السنوات الأخيرة، تعمّق الخلاف أكثر بفعل تباين الأهداف النهائية للطرفين، واختلاف الجغرافيا التي يركز عليها كل منهما، إضافة إلى تعدد التشكيلات المسلحة المدعومة من جهات مختلفة، ما خلق مراكز قوة متنافسة يصعب ضبطها. ومع انتقال بؤرة التوتر إلى محافظتي حضرموت والمهرة، عاد الخلاف إلى الواجهة بقوة، خاصة بعد تحذيرات سعودية للمجلس الانتقالي من أي تحركات عسكرية قد تقوض جهود التهدئة.

وتشير تقارير إعلامية إلى أن الرياض طالبت فعلياً بانسحاب قوات تابعة للانتقالي من بعض المناطق شرق اليمن، في حين تمسكت هذه الأخيرة بالبقاء تحت مبرر “تأمين المحافظات”. كما جرى تداول تصريحات سعودية وُصفت بأنها غير مسبوقة، اعتبرت بعض التحركات الإماراتية “بالغة الخطورة” ولا تنسجم مع منطق التحالف.

ورغم ذلك، فإن الموقف لا يزال معقداً، إذ إن استجابة المجلس الانتقالي للضغوط السعودية لا ترتبط فقط بالقرار المحلي، بل تتأثر بموقف أبوظبي، وبموازين القوى على الأرض، وبطبيعة أي تسوية سياسية محتملة. فقبول الانسحاب قد يكون مشروطاً بضمانات سياسية وأمنية تحفظ للانتقالي نفوذه، بينما يبقى التصعيد خياراً قائماً في حال تعثرت الوساطات.

في المحصلة، يظهر أن الخلاف السعودي–الإماراتي في اليمن لم يعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل هو نتاج اختلاف عميق في المقاربات والأهداف. وبينما تسعى الرياض إلى إنهاء الحرب عبر تسوية تحفظ وحدة اليمن وأمنها، تراهن أبوظبي على تثبيت نفوذ طويل الأمد في الجنوب والممرات البحرية. وبين هذين المسارين، يبقى اليمن ساحة مفتوحة لتجاذبات إقليمية معقدة، يدفع ثمنها شعب أنهكته سنوات الحرب والانقسام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى