مجتمع

الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تحذر من تداعيات قانون المسطرة الجنائية 03.23 على الحقوق والحريات

 تنوير-متابعة

حذّر المكتب المركزي لـ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من الانعكاسات الخطيرة لدخول قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23 حيز التنفيذ، معبّراً عن قلقه العميق إزاء ما اعتبره تراجعات تمس جوهر ضمانات المحاكمة العادلة والحقوق الأساسية، وذلك في سياق وطني يتسم بتصاعد النقاش العمومي حول وضعية الحقوق والحريات وتراجع الثقة في العدالة.

وأكدت الجمعية، في قراءة حقوقية نقدية للقانون الجديد، أنه ورغم تضمّنه بعض المستجدات التقنية المرتبطة بتحديث المساطر والرقمنة، فإن مضمونه العام يكشف عن اختلالات بنيوية خطيرة، أبرزها التوسع غير المبرر في صلاحيات النيابة العامة، خاصة في ما يتعلق بالاعتقال الاحتياطي، بما يشكل مساساً بقرينة البراءة وبمبدأ التوازن بين أطراف الدعوى العمومية.

وشددت الجمعية على أن تقييم قانون المسطرة الجنائية 03.23 لا يمكن فصله عن المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولا عن التجربة القضائية المغربية خلال العقدين الأخيرين، التي راكمت، بحسب تعبيرها، اختلالات بنيوية وانتقادات حقوقية موثقة في تقارير وطنية ودولية.

وسجّل المكتب المركزي أن الاعتقال الاحتياطي ما يزال أحد أخطر مظاهر المساس بالحرية الفردية، إذ تتجاوز نسبته 40 في المائة من مجموع الساكنة السجنية، في تناقض صارخ مع كونه إجراءً استثنائياً. واعتبرت الجمعية أن القانون الجديد، بدل معالجة هذا الخلل، أبقى على مبررات فضفاضة للاعتقال، من قبيل “الأمن العام” و“حسن سير العدالة”، مع فتح المجال لتمديده بطلب من النيابة العامة، دون رقابة قضائية فعالة، ما يحوّل هذا الإجراء عملياً إلى عقوبة مقنّعة.

كما انتقدت الجمعية التوسع الملحوظ في صلاحيات النيابة العامة، خاصة في تمديد الحراسة النظرية، ومراقبة الاتصالات، والتفتيش خارج الأوقات القانونية، وتوجيه البحث التمهيدي، معتبرة أن ذلك يتم في غياب رقابة قضائية مسبقة وحقيقية، في تعارض مع المعايير الدولية التي تعتبر النيابة العامة جهة ادعاء لا جهة فصل.

وفي ما يخص مكافحة الفساد، اعتبرت الجمعية أن التعديل المتعلق بالمادة الثالثة يشكل تراجعاً حقوقياً خطيراً، من خلال تقييد حق الجمعيات في الانتصاب طرفاً مدنياً في قضايا المال العام، ومحاصرة أدوار المجتمع المدني، بما يكرس الإفلات من العقاب ويجعل تحريك الدعوى العمومية رهيناً بإرادة جهات رسمية محددة.

وسجّلت الجمعية أن القضايا ذات الحساسية السياسية أو الاجتماعية تظل أكثر عرضة للانتهاكات، في ظل خضوع تمديد الحراسة النظرية لتقدير النيابة العامة وحدها، دون رقابة قضائية آنية، مما يفتح المجال لانتهاك الحقوق الأساسية للأشخاص المعنيين.

كما اعتبرت أن إدراج بعض الآليات الرقمية، رغم إيجابياته، لم يواكَب بضمانات كافية لحماية الضحايا، خاصة الفئات الهشة، مشيرة إلى غياب التنصيص على إحداث صندوق مستقل لتعويض ضحايا العنف القائم على النوع الاجتماعي، والاتجار بالبشر، والجرائم المالية الكبرى، وهو ما يترك الضحايا في مواجهة مساطر معقدة ومكلفة.

وفي السياق ذاته، نبهت الجمعية إلى غياب إلزامية الفحص الطبي المستقل لكل من يدّعي التعرض للتعذيب أو سوء المعاملة، وعدم إقرار التسجيل السمعي البصري الإجباري لجميع مراحل البحث، في ظل استمرار الاعتماد المفرط على محاضر الضابطة القضائية والاعترافات، بما يقوض فعلياً ضمانات المحاكمة العادلة.

كما سجلت أن الحق في الدفاع، ورغم التنصيص عليه نظرياً منذ اللحظة الأولى للاعتقال، يظل مقيداً عملياً، إذ لم يفرض القانون حضور المحامي أثناء الاستماع الأول، ولم يلزم بتسليم المحاضر فوراً للدفاع، فضلاً عن تعقيد مساطر الاطلاع على الملف، خاصة في قضايا الأحداث والقضايا ذات الطابع الأخلاقي.

وبخصوص رقمنة المسطرة الجنائية، حذّرت الجمعية من غياب مقتضيات واضحة تتعلق بحماية المعطيات الشخصية وأمن الأنظمة المعلوماتية وحقوق الأطراف في الولوج إلى ملفاتهم الإلكترونية، معتبرة أن ذلك قد يحول الرقمنة إلى تهديد للحق في الخصوصية بدل أن تكون رافعة لتحديث العدالة.

وفي خلاصة موقفها، اعتبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان أن قانون المسطرة الجنائية 03.23 يعكس التزاماً جزئياً وغير مكتمل بالمعايير الدولية، ويقدم إصلاحات شكلية دون إرادة حقيقية لتفعيلها عبر آليات رقابة وضمانات تنفيذ واضحة، مؤكدة أنه لا يرقى إلى مستوى التحول الحقوقي الذي ينتظره المجتمع المغربي.

ودعت الجمعية إلى مراجعة شاملة لمقتضيات الاعتقال الاحتياطي وربطها برقابة قضائية صارمة، وتقييد سلطات النيابة العامة، وتعزيز دور القاضي المستقل، وإقرار آليات فعالة لإثبات التعذيب، وتمكين الحق في الدفاع منذ اللحظة الأولى للاعتقال، وإحداث صندوق مستقل لتعويض الضحايا، وضمان الشفافية والمساءلة في قضايا المال العام.

وختمت الجمعية بالتأكيد على أن إصلاح العدالة الجنائية ليس مجرد تعديل تقني أو واجهة خطابية، بل خيار ديمقراطي حقيقي، واختبار فعلي لاحترام الحقوق والحريات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وصون كرامة الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى