وجهة نظر

الفيزازي والاستفزاز: من منبر الوعظ إلى منحدر الاستفزاز بقلم: حميد قاسمي

  حين تُستدعى العصبية ضد منطق الدولة ما صدر عن الفيزازي ومن يشبهه لم يعد مجرد زلة تعبير، ولا شطحة انفعال أخرق عابر، بل انكشافًا صارخًا لعقلية متصابية ترى في الإثارة موقفًا، وفي الاصطفاف الأعمى بطولة، وفي مخالفة منطق الدولة نوعًا من الجرأة المحسوبة. نحن هنا أمام خطاب لا يخطئ التقدير فقط، بل يخطئ الاتجاه، لأنه يخاصم البديهي قبل أن يخاصم السياسة.

حين يعلن (شيخ)، يفترض فيه الاتزان ورجاحة العقل، تشجيعه لطرف إفريقي ضد الجزائر، فهو لا يسيء إلى الرياضة فحسب، بل يعبث بالمعنى، ويقايض الحكمة بالاستعراض، ويستبدل منطق الدولة بمنطق المدرج. الأخطر في هذا السلوك أنه يُقدَّم على أنه غيرة وطنية، بينما هو في جوهره انفلات رمزي يربك الرسائل الرسمية ويغذي خطاب القطيعة حيث لا ضرورة لها.

المغرب، في خياراته الكبرى، لم يجعل من الجزائر خصمًا وجدانيًا، ولا من شعبها عدوًا تاريخيًا. بل على العكس، ظل يميز بوضوح بين الخلاف مع النظام والاحترام الثابت للشعب، وبين النزاع السياسي وروابط الدم والجغرافيا والمصير. ومن لم يفهم هذه المعادلة، فهو لا يجهل السياسة فقط، بل يسيء إلى الوطنية باسمها.

وهنا بالضبط يستقيم المثل المغربي في معناه العميق لا في تحريفه السطحي: انا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب. معناه الواضح أن رابطة القربى والمحيط أولى من أي اصطفاف عبثي، وأن الانتماء الإقليمي والإنساني يسبق النكاية والانفعال. وبناءً عليه، فإن المنطق السليم يقتضي أن يكون الموقف مع إخوتنا الجزائريين، لا ضدهم، وأن يكون الاصطفاف مع الجوار، لا مع الغريب، سواء كان من الكونغو أو من أي دولة إفريقية أو عربية أخرى، حين يكون الخصم خارجيًا من أوروبا أو من أي جهة أخرى.

أما قلب هذا المثل رأسًا على عقب، وتحويله إلى ذريعة للتشفي، فليس إلا خيانة للمعنى، وانتصارًا للعصبية، وتماهٍ مفضوح مع منطق الفتنة. لأن من يشجع الغريب ضد القريب لا يمارس سياسة، بل يزرع شرخًا وجدانيًا، ويُضعف الجبهة المعنوية للمنطقة برمتها.

الفيزازي وأمثاله، وهم يتوهمون أنهم يحرجون الجزائر أو يوجهون لها رسالة، لا يفعلون في الحقيقة سوى إحراج الدولة المغربية نفسها، لأنها دولة اختارت التعقل حيث اختاروا الصخب، وبنت خطابها على التهدئة حيث بنوا خطابهم على الاستفزاز. الدولة لا تحتاج إلى من يزايد باسمها، ولا إلى من يرفع الصوت خارج السياق، ولا إلى من يحوّل كل مناسبة إلى ساحة تصفية حسابات نفسية.

الأشد خطورة في هذا النوع من الخطاب أنه يستعير رمزية الدين ليبرر انفعالًا سياسيًا رخيصًا، وكأن الوطنية تُقاس بدرجة الغضب، أو تُختزل في من نشجع ومن نلعن. والحقيقة أن الوطنية، في معناها العميق، هي الانحياز للعقل، والاصطفاف مع المعنى، والدفاع عن منطق الدولة لا عن نزوات الأفراد.

المغرب لا يُدار بمنطق التشجيع ضد، ولا يُقاس وزنه بالهتاف، ولا تُصان مكانته بالمناكفات الرمزية. هو دولة تعرف أن محيطها الطبيعي ليس ساحة خصومة، بل مجال توازن، وأن القريب أولى بالفهم لا بالتحريض، وبالاحتواء لا بالاستفزاز.

لهذا، فإن هذا الخطاب، مهما لبس من أقنعة الغيرة، ليس قوة للمغرب، بل عبء عليه، لأنه يجرّه إلى منطق لا يشبهه، ويضعه في مواقع لم يخترها. ومن أراد خدمة هذا الوطن حقًا، فليتعلم أولًا الفرق بين العصبية والوطنية، وبين الانفعال وبوصلة الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى