محمد جرو/تنوير/
الليلة وغدا يحتفل الأمازيغيون بالسنة الجديدة بذات التقويم ،الذي يوافق 2976 ،وبنفس المناسبة وقبل 68 سنة يعود جزء كبير من الصحراويين والأمازيغ لتقليب صور وشريط معركة “گرارة الدشيرة”على بعد حوالي 30 كلم من عيون الساقية الحمراء ،التي انصهرت فيها الدماء العربية والأمازيغية في بوثقة جيش التحرير المغربي ،للدفاع عن التخوم ،في معركة تكبد فيها المستعمر الإسباني خسائر فادحة ،أبان فيها المقامون الأشاوس من جيش التحرير عن استماتة كبيرة مازالت ذكراها لحد الساعة حديث العدو قبل من مازال على قيد الحياة ،وبعض من أسر الشهداء ..
على عهد الراحل الملك محمد الخامس ،وفي خطط عسكرية مدروسة لقيادة جيش التحرير ،في يوم 13 يناير 1958 حوالي الساعة العاشرة صباحا،وبتوجيه القيادة التي كانت تسعى لتحرير سيدي إيفني والطرفايا والطنطان ،إذ كانت هذه المعركة جزءًا من حرب إفني، حيث كان جيش التحرير الوطني المغربي ينفذ عمليات عسكرية لتحرير مدينة إفني ومدينة طرفاية ، نصب مقاتلو جيش التحرير كمينًا للقوات الإسبانية،استمرت الاشتباكات مدة يومين كاملين، حيث أظهر جنود جيش التحرير بسالة نادرة وتفوقًا كبيرًا على قوات العدو،وقدم جيش التحرير المغربي تقريبا 150 شهيدا،بينما قتل أكثر من 600 جندي إسباني، من بينهم 20 ضابطًا.
معركة الدشيرة،وبحسب الوثائق و شهادات المقاومين منهم الفقيد قائد جيش التحرير بالجنوب محمد بن سعيد ايت يدر ،والمستعمر الإسباني نفسه ، التي جرت أطوارها يوم 13 يناير 1958م هي تتويج لسلسلة من المواجهات والمناوشات بين رجال المقاومة وجيش التحرير وعساكر الغزاة بمنطقة المسيد بعد استشهاد 12 رجلا من عناصر جيش التحرير، ينتمون إلى قبيلة آيت لحسن التي أوكلت إليها مهمة حراسة وحماية المنطقة، وهو ما رد عليه رجال جيش التحرير المغربي بقصف مدينة العيون بالمدفعية في محاولة لاستفزاز قوات الاحتلال الاسباني واستدراجها خارج تحصيناتها بالمدينة.
وفي نفس الوقت كانت قيادة جيش التحرير بالجنوب المغربي تنظم صفوف رجالها الذين بلغ عددهم 400 مقاوم، موزعين على 8 فرق تم تقسيمها ضمن مجموعتين، تمركزتا على الضفتين الجنوبية والشمالية من وادي الساقية الحمراء، وبعد قصف مدينة العيون من منطقة «أخوي انتيفة» من الجهة الشمالية ليلة 12 يناير 1958 انسحب أفراد جيش التحرير إلى «اكرارة ادشيرة».
وردا على تحركات عناصر جيش التحرير المغربي، انطلقت جحافل القوات الاسبانية من مدينة العيون في الساعة السابعة والنصف من صباح اليوم الموالي؛ أي يوم 13 يناير؛ باتجاه منطقة الدشيرة، بقيادة قائد اللواء الثالث عشر «ريفاس نادال»، والتي كانت تتشكل من أربعة سرايا وهي: السرية الأولى بقيادة النقيب «خيرون ماينار» مهمتها حماية الجهة الشرقية، والسرية الثانية بقيادة النقيب «أوغستين خورخي» والتي أوكلت لها مهمة استكشاف وتمشيط المنطقة، والسرية الثالثة بقيادة الملازم «فرانسيسكو جوميز فيزكاينو» التي تمركزت على الجهة اليمنى للوادي وكانت مهمتها الإسناد وتقديم الدعم، وأما السرية الرابعة فقد تشكلت من كتيبة مدفعية مجهزة بالمدافع الرشاشة ومدافع الهاون من عيار 81 ملم، وأسندت قيادتها للملازم الأول «إسماعيل باركو».
وفي الساعة العاشرة والنصف صباحاً من نفس اليوم، كانت المنطقة مسرحا لمعركة كبرى وملحمة بطولية، نخلد اليوم ذكراها الثامنة والستين، تلكم المعركة التي تصدى فيها المجاهدون الأشاوس، بكل إيمان وإقدام واستماتة، لجحافل الجيوش الاستعمارية، في حرب غير متكافئة عدة وعددا، وحققوا أكبر انتصار على الجيش الإسباني تناقلت تفاصيلها وسائل الإعلام الأجنبية التي أشادت بالروح القتالية العالية للمجاهدين المغاربة بهذه الربوع الأبية التي روتها دماء شهدائنا الأبرار الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل رفع التحدي وكسر المد الاستعماري المتسلط.
لقد كانت ميادين المعارك من أكبر المقابر العارية لقوات الاحتلال، حيث منيت جيوش الاحتلال الإسباني بهزيمة نكراء، قُدِّرت خسائرها بحسب المصادر الإسبانية بنحو 48 جندي من بينهم أربعة ضباط ونقيب و11 ضابط صف و70 جريحا، وفي هذا الصدد، يقول أحد جنرالات الجيش الاسباني يدعى «اللفتنانت» واصفا أطوار هذه المعركة الخالدة بالقول: «عند وصول تعزيزات كبيرة للعدو تلقت قواتنا التي توغلت في مجرى الوادي نيراناً كثيفة جداً من العدو، وبعد أن أوقع المغاربة خسائر كبيرة في الفيلق، انقضوا على الفرقة الثالثة. كان للفيلق الثالث عشر ضحايا وكثيرون نزفوا حتى الموت في الشمس دون التمكن من العناية بهم، ولم يكن لدى فيالق السرية الثالثة ماء ولا ذخيرة تقريبا. وأعطبت الشاحنة التي كانت تحمل المؤن على بعد 200 متر، وبسبب الضغط الذي تعرضت له السرية الثانية والثالثة أعطيت الأوامر لسريتين من الفرقة الأولى بتعزيز رفاقهما. كل هذا فيما أطلق الرجال المخصصون لقوات الدعم قذائف الهاون الخاصة بهم مراراً وتكراراً حتى نَفَذَتْ الذخيرة. في ذلك اليوم أطلقوا 324 قذيفة على مسافة 300 متر، وهي أقل مسافة يمكن لأسلحتهم العمل عليها.
ومع ذلك، أصبح الوضع لا يمكن الدفاع عنه لدرجة أن أعطيت الأوامر للواء الرابع بمغادرة العيون لتعزيز صفوف رفاقه، ومساعدة رجال اللواء الثالث عشر لبدء الانسحاب.
ويضيف قائلا: «وقعت أكثر المعارك دموية طوال اليوم في Saguia، حيث أجبر رجال «خورخي» على القتال بحراب ثابتة ضد أعداء لا حصر لهم حتى حلول الليل».
وأمام إصرار وعزيمة المجاهدين على مواصلة الكفاح، اضطرت فرنسا واسبانيا إلى عقد حلف في ما بينهما للقضاء على قوات جيش التحرير المغربي، قبل أن تتقوى شوكة المقاومة والجهاد وتتسع رقعتها في كل المجال الصحراوي المغربي، فشن التحالف الاستعماري هجوما عنيفا وكاسحا استعملت فيه القوات الغازية أفتك الآليات والمعدات الحربية ووسائل الإبادة لإرضاخ المجاهدين وإرغامهم على الاستسلام، ما اصطلح عليه في الإسطوغرافيا الاستعمارية بعملية «ايكوفيون» أو «المكنسة»، حيث استطاعت دفع مقاتلي جيش التحرير إلى الانسحاب شمالا نحو المناطق المحررة. وبذلك تمكنت إسبانيا من خنق عمليات جيش التحرير بالمنطقة، وبعد ذلك قامت بحملة انتقام من المواطنين العزل، ما جعل العديد منهم يتوجه إلى المناطق الشمالية للمملكة هربا من بطش المستعمر.
وفي هذا الصدد، نورد مما جاء في بلاغ القيادة العليا لجيش التحرير بالجنوب المغربي تحت رقم 33 بتاريخ 15 يناير 1958 ما يلي: «…وفي 13 يناير 1958 وقع اشتباك عنيف بين قواتنا وجيوش العدو الكثيرة التي تقدر ب 1800 جندي و10 طائرات من بينها 3 طائرات فرنسية في الموضعين المعروفين بالمسيد والدشيرة قرب العيون. واستمرت الاشتباكات مدة يومين كاملين ابتداء من الساعة الثامنة صباحا من يوم 13 يناير 1958 حتى آخر ليلة من 14 منه. وأظهر جنودنا بسالة نادرة وتفوقا كبيرا على قوات العدو وانتهت بانتصار باهر للمجاهدين، وقد أسقطوا من قوات الاحتلال 600 قتيل من بينهم 20 ضابطا 3 منهم برتبة قبطان وواحد برتبة كولونيل وعدد لا يحصى من الجرحى ظل العدو ينقل فيهم اليوم كله. كما قتل في هذه المعركة عدد من أعوان الاستعمار وأحرقت له قواتنا 19 سيارة كبيرة وغنمت قواتنا 85 بندقية و10 مدافع رشاشة وشاحنة مملوءة بالمؤن والذخائر الحربية و5 مسدسات وراديو للإرسال واستشهد منا 12 مجاهدا كما جرح ستة».
ساهمت معركة “گرارة الدشيرة ‘في إعادة مقاطعة طرفاية إلى المغرب بعد أن حررها الجنود المغاربة من أيدي إسبانيا،كما كانت هذه محطة مضيئة في مسيرة الكفاح من أجل الوحدة الترابية والوطنية.