اخبار جهوية

قضايا التعمير في الهرهورة مثال مكشوف عن عودة منطق خدام الدولة ثانية

منير الطاهري*
يشكل التعمير في مدينة الهرهورة لوحة تشكيلية لظاهرة ازدواجية تطبيق القانون وسياسات الامتياز التي تبدو في بعض جوانبها أقرب إلى معادلة تطبق وفق الولاءات خارج أي نصوص واضحة للعدالة والمساواة. في هذه المدينة الساحلية القريبة من الرباط تتراكم سلسلة من الأزمات التي طالما أثارت انتقادات محلية وجماعية، حول الرغبة في الرفع من جمالية المدينة والارتقاء بها إلى مستوى المدن السياحية الأوروبية والنزعة المحافظة التي ترغب في إغراقها في منطق القرون الوسطى حفاظا على الامتيازات وأصحاب المصالح.
ما يشد الانتباه في ملفات التعمير بالهرهورة، ليس فقط اختلاف المعايير حول ما يسمح به في البناء أو الرفض، بل الانتقائية في تطبيق نفس النص القانوني على فئات مختلفة من السكان. ففي الوقت الذي يحرم فيه البعض من استعمال السطح أو إجراء تعديلات بسيطة على بيوتهم، تحت ذرائع حماية ارتفاقات الرؤية الممنوحة لقصور بعض الملوك أو الرؤساء الأجانب وهي ارتفاقات لا أساس لها في القانون المغربي، في نفس الوقت يُسمح لآخرين بتوسيع مساكنهم أو إضافة طوابق أو فيرندات دون اعتراض واضح، ما يجعلنا أمام معالجات متباينة للظاهرة داخل نفس الحي.
نحن لسنا أمام مجرد حوادث معزولة، وإنما أمام صورة متجدرة كشفت عنها تقارير المجتمع المدني والإعلام المحلي، صورة جعلت أحياء المدينة تغرق في فسيفسائية غريبة بحيث تجد بعض المساكن ممنوعة من الولوج إلى السطح وأخرى بطوابق إضافية بلا رقيب أو حسيب، وذلك خلافا لأسطورة ارتفاقات الرؤية المزعومة وكأننا أمام مواطنين من الدرجة الثانية ومواطنين من الدرجة الأولى ينظر إليهم كـ “خدام للدولة” أو مقربين من أجنحة القرار.
والحقيقة أن ارتفاقات العلو والرؤية يجب إقرارها على أساس قانوني مشروع وأن تفرض حماية لمصلحة عامة ملموسة.
التقارير الإعلامية المحلية وسجلات الشكاوى الجماهيرية تشير إلى أن اختلالات التعمير بالهرهورة ليست جديدة، بل هي استمرار لما سماه بعض المراقبين “فوضى عقارية مستشرية” تتضمن تراميا على الملك البحري، وتضييقا على المساحات العامة والسواحل، وتفاوتا في مراقبة المخالفات وفقا لمن له نفوذ أو من لا نفوذ له. نذكر، على سبيل المثال، الخروقات التي طالت شاطئ “سهب الذهب” وكيف أن بعض المشاريع عرفت بزحفها على الواجهة البحرية في غياب تدخل فعال يحفظ حق المواطنين في الاستمتاع بالشواطئ.
ما يفاقم الأمر هو أن هذه الحالات غالبا ما ترتبط بتواطؤ أو تقاعس من بعض الجهات المسؤولة، وهو ما دفع إلى دعوات من فاعلين حزبيين وجمعويين لفتح تحقيقات رسمية في “فضائح لوبي العقار” بالهرهورة، وكشف المستور في علاقة بعض المتنفذين بإجراءات متساهلة أو متواطئة مع مصالح خاصة على حساب المصلحة العامة.
لا تقتصر الإشكالية على تباين التعامل مع المواطنين العاديين، بل تمتد إلى ما يحدث في المشاريع الكبرى نفسها، إذ تم توثيق حالات هدم مشاريع عقارية ضخمة بعد انطلاق أشغالها، في ظل اتهامات بعدم احترام الإجراءات القانونية أو وجود تضارب في الصلاحيات بين الجماعة المحلية والسلطات الإقليمية ومكاتب التعمير. هذه الفضيحة العقارية التي شهدت تدخل الجرافات لإزالة مشروع “هرهورة بارك” على مساحة واسعة توضح أن الإشكالات ليست مجرد شكاوى فردية، بل تتعلق بإدارة حقيقية لقطاع يتداخل فيه المال، السلطة، والتسيب.
من هنا، يصبح الحديث عن العدالة في التعمير أكثر من مجرد نقاش قانوني؛ إنه نقاش حول الثقة في المؤسسات، وكيف يمكن أن يمارس القانون بنزاهة وشفافية. الساكنة التي تدفع ثمن هذه الاختلالات ليست مجرد أرقام في إحصاء رسمي، ولكنهم مواطنون يفقدون ثقتهم تدريجيا في أنظمتنا القانونية والتدبيرية أمام استمرار التطبيق التفضيلي والمحسوبية في ملفات السكن والبناء ويكرس شعورا باللاعدالة وتفاوت الحقوق.
ليس هناك ما يبرر أن تطبق القواعد بشكل مختلف على جيران في نفس الشارع، أو في نفس الإقامة، وأن يمنح البعض امتيازات بينما يحرم آخرون من أبسط حقوقهم في ملكياتهم الخاصة. هذه الحالات تؤكد أن التعمير في الهرهورة لم يعد مجرد ملف تقني بل هو قضية مجتمعية تلامس جوهر العلاقة بين المواطن والدولة، وتستلزم مراجعات جذرية لضمان أن تكون معايير التعمير حقا وأساسا للمساواة والعدالة بين الجميع.
——————————————–
(*) إطار باحت في علوم التدبير والحكامة العمومية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى