في ظل التجييش للعدوان على إيران ومباشرة بعد اختطاف رئيس دولة ذات سيادة “فنزويلا” تمهيدا لنهب مقدراتها النفطية، ومهاجمة كوبا وكولومبيا، والسيطرة على قناة بنما، والتهديد بضم الجزيرة الدانماركية غرينلاند، وصولاً إلى تحويل كندا إلى الولاية الأميركية الحادية والخمسين، فضلا عن استفزاز الخصوم والحلفاء على السواء بعبارات بعضها غير أخلاقي ولايمت للأعراف الدبلوماسية بصلة، يخرج علينا ترامب بمجلس سلام كما يدعي تضم تشكيلة مجلسه التنفيذي إلى جانب أقارب وأصدقاء ترامب، ويتعلق الأمر بوزير خارجيته ماركو روبيو ومبعوثه الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف و صهره جاريد كوشنر و مستشار الأمن القومي المساعد روبرت غابرييل إلى جانب رئيس البنك الدولي المقرب منه أجاي بانغا وصديقه والملياردير الأميركي مارك روان، عددا من مجرمي الحرب على رأسهم من قاد حرب الإبادة في غزة بنيامين نتنياهو، ومجرم حرب العراق رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، إلى جانب عدد من رموز اليمين المتطرف مثل رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي، فضلاً عن ثلة من الحكام المستبدين.
هكذا يبدو هذا المجلس من خلال عدد من أعضاء تركيبته والصلاحيات التي خص بها ترامب نفسه من داخله أقرب إلى مجلس حرب منه إلى مجلس سلام كما يدعي مؤسسوه، بل إن أغلب المتتبعين ذهبوا إلى أنه جاء بمثابة إعلان رسمي على نهاية نظام دولي وبداية نظام آخر تقوده أمريكا منفردة بزعامة دونالد ترامب، بعد أن شكل في الأصل ضمن نص اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، الموقّع في شتنبر من السنة الماضية، على أساس الإشراف على إدارة القطاع وإعادة إعماره، لتتحول وظيفته فجأة إلى إطار دولي عام لتدبير النزاعات متجاوزة الشرق الأوسط، بعد حدد ترامب بنفسه صلاحياته، والتي باتت تشبه إلى حد بعيد صلاحيات مجلس الأمن الدولي، حيث جاء في المادة الأولى من ميثاقه: “مجلس السلام منظمة دولية تهدف إلى تعزيز الاستقرار، وإعادة إرساء حكامة موثوقة وشرعية، وضمان سلام دائم في المناطق المتضررة من النزاعات أو المهددة بها”.
وقد منح نفسه كرئيس لهذا المجلس سلطات واسعة وغير مسبوقة. فهو يتمتع بحق رقابة مباشرة على الأعضاء، كما أن العضوية لا تُفتح تلقائيًا أمام الدول، بل تقتصر فقط على تلك التي يوجه لها الرئيس دعوة رسمية، وتدخل العضوية حيز التنفيذ بمجرد توقيع الميثاق، لتمتد لثلاث سنوات قابلة للتجديد. حيث يجوز للرئيس عزل أي عضو، ما لم تعارض ذلك أغلبية الثلثين من الدول الأعضاء، كما يتيح الميثاق ما يسمى بـالعضوية المميزة (VIP)، وهي صيغة استثنائية لا تخضع لقاعدة الثلاث سنوات، وتُمنح للدول التي تدفع أكثر من مليار دولار نقدًا خلال السنة الأولى من إنشاء المجلس!!
وتبقى للرئيس أي دونالد ترامب السلطة النهائية فيما يخص تفسير أو تأويل ميثاق المجلس وتطبيقه، كما يُخوَّل له اعتماد الختم الرسمي المستقبلي لهذا المجلس.
هكذا يقف العالم أمام بنية سياسية دولية تتمحور حول شخص واحد، وتؤشّر بوضوح إلى انتقال العالم من شرعية المؤسسات إلى منطق الزعيم أو الملك كما نعته الأمريكيون في عدد من احتجاجاتهم ضد سياساته في الداخل الأمريكي. حيث بات هذا المجلس يشكّل خطراً مباشراً على القانون الدولي، وعلى الأمن، وعلى السلام نفسه، خاصة وأن الشخص الذي يرأسه لم يتردد في تحويل اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب، معلنا الحرب في نفس الآن على عدد من الدول التي تعارض سياسات أمريكا الخارجية وترفض الإذعان لإملاءاته المستفزة. في تحد سافر لأدوار الأمم المتحدة بل ومحاولة جدية لاستبدالها بهيئة خاضعة بالكامل لإرادة ترامب الشخصية، الرجل الذي لم يتردد يوماً في احتقار القانون الدولي وفي فرض نزعاته السلطوية. فما وقع اليوم في منتجع دافوس بسويسرا لم يكن حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل هو إعلان صريح عن تفكيك النظام الدولي الذي جاء عقب الحرب العالمية الثانية، وفرض نسخة جديدة منه، تُقاد من طرف شخص واحد وبعقلية تاجر عقارات لايوقف جشعه وتعطشه للحروب أي حاجز. لكن ما يعطي هذا المجلس شرعية أكثر هي الدول التي هرولت للالتحاق به بناء على دعوة رئيسه ترامب رغم الشروط التي فرضها في ميثاقه، فضلا عن دعمه المتواصل للكيان الصهيوني الذي قام بحرب إبادة في غزة ستبقى وصمة عار في جبين الإنسانية، ومن بينها للأسف دول ترفع شعار الإسلام ويعادي بعض زعماءها إسرائيل في خطاباتهم الرنانة في نفس الوقت الذي تستمر معاملاتهم التجارية ومشاريعهم وعلاقاتهم التي طالت كل المجالات معه.
قد يكون رهان المرحلة حسب بعض المتابعين المفكرين الانتهازيين اليوم على أمريكا وإسرائيل رابحا إلى حد ما، لكن هؤلاء يتجاهلون في مواقفهم وقراءاتهم البراغماتية كل القيم النبيلة والمؤسسة للسلام الحقيقي، والضرورية لبناء الأوطان وإدامة الاستقرار في المنطقة والعالم، خاصة وهم يرون بأم أعينهم ما فعلته أمريكا وإسرائيل في عدد من الدول التي باتت مرتعا للفوضى والاضطرابات بسبب تدخلاتهم المباشرة والغير مباشرة لعقود من العمل على إثارة الفتن والنعرات الطائفية والعرقية ودعم الانقلابات واختطاف الرؤساء وضم الأراضي وزعزعة الأنظمة التي تقاوم وتقف ضد مشاريعهم المشبوهة في المنطقة العربية والإسلامية والعالم. هذا دون الحديث عن غدرهم بالحلفاء قبل الأعداء، آخر مثال على هذا غدر ترامب بحليفته قسد بسوريا وبيعها لتركيا والجماعات التكفيرية التي مهدوا لها حكم البلد بعد إسقاط النظام الذي كان يعاديهم هناك، حيث لم يكتف بالتخلي عنهم بل قام بدعم الحرب ضدها من طرف عميلهم أحم الشرع، الجولاني الإرهابي سابقا حسب تصنيف الإدارة الأمريكية نفسها التي كانت تضع على رأسه ملايين الدولارات. ومثل هذه المواقف الغادرة لم تعد معزولة، بل صارت تقوم عليها سياسة ترامب الذي انقلب أيضا على حلفاءه الأوروبيين، وبات يهددهم في عقر دارهم برفع الضرائب، إن هم استمروا في علاقاتهم التجارية مع الصين، ومؤخرا إن لم يسلموه جزيرة غرينلاند الدانماركية. وأخيرا وليس آخرا، فقد رأى العالم كيف ابتز حلفاءه الخليجيين علانية، وكيف يبتز اليوم إيران ويهددها بالحرب إن لم ترضخ لنزواته وتذعن لإملاءاته المستفزة.
وقد تجاوز حده في التنمر على قادة ورؤساء دول بعضها لازال يعتبر حليفا لأمريكا إلى اليوم. فيسخر من الرئيس الفرنسي ماكرون، بل ويقوم بفضحه بنشر محتوى رسالة شخصية بينه وبينه. ويصف سياسة بريطانيا بأنها حماقة بالغة، ويهين رئيس وزراء كندا قائلا؛ أنتم تعيشون بفضلنا، عليك تذكر هذا في كل مرة تريد أن تدلي بتصريح. ولم يسلم من تنمره وسخريه حتى رئيس أمريكا السابق جون بايدن، الذي يهينه في كل كلمة يلقيها، مسميا إياه بجون النائم متهكما على مرضه.. حتى أن الكثير من المراقبين اليوم باتوا يرون في سلوك ترامب ومزاجيته وتقلباته الحادة، أعراضا لمرض نفسي خطير يمكن توصيفه مجازا بجنون العظمة الذي كان وراء سقوط إمبراطوريات ودول عظمى لمن يقرأ التاريخ، لعل أبرزها ألمانيا هتلر خلال العصر الحديث.
لهذا ولأسباب أخرى، كان على بلدي المغرب التريث قبل الموافقة على الانضمام إلى مجلس ترامب، خاصة وأن العاهل المغربي محمد السادس هو أيضا رئيس لجنة القدس التي أعلنها ترامب عاصمة «أبدية» للكيان الصهيوني في ولايته الأولى منهيا بذلك حلم إقامة دولة فلسطينية.
قد نقدر نهج الواقعية الذي بات يسير عليه المغرب في إدارة تعقيدات المشهد الدولي خلال السنوات الأخيرة، ورغبة منه في استثمار وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض وميله إلى تصور الرباط لحل نزاع الصحراء من أجل إنهاء هذا الملف نهائيا، فضلا عن جهوده في دفع عددا من الدول الحليفة للولايات المتحدة الأمريكية للاعتراف بمغربية الصحراء مما لا يمكن إنكاره. ولكن أمريكا ترامب لا تعطي شيئا بالمجان، وكما قال يوما لزيلنسكي أوكرانيا بعد أن دفع به لمواجهة روسيا بوتين؛ نحن لسنا جمعية خيرية، فكل شيء بمقابل. وإذا كان المفاوض ضعيفا أو في موقف ضعف فجشع ترامب وابتزازه قد يأتي على الأخضر واليابس مما لا سبيل إلى لجمه. وهنا تحضرني قولة لوزير الخارجية الأمريكي ومستشار الأمن القومي في ظل حكومة الرؤساء ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد هنري كيسنجر إذ يقول؛ أن تعادي أمريكا فهذا خطر، لكن أن تصادقها فهذا خطر أكبر.
حيث يمكن اختصار مشهد أمريكا ترامب اليوم في هذه العبارة الدبلوماسية المكثفة التي صدرت يوما عن أحد صقور الدبلوماسية والأمن القومي بأمريكا ممن كان يعرف دهاليز وأسرار الإدارة الأمريكية من الداخل، بل إنه كان مساهما فعالا في بناء مخططاتها التوسعية التي يجني ترامب ثمارها اليوم.
د. محمد أكديد
باحث في علم الاجتماع السياسي