لازال العالم يحبس أنفاسه متابعا تطور المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في نفس الوقت الذي تتوعد فيه أمريكا بالهجوم، إذ تقوم بأكبر تحشيد عسكري بالمنطقة في العصر الحديث، في حين تستعرض إيران آخر ماوصلت إليه صناعاتها العسكرية مع إعلان مسؤوليها استعدادهم للحرب في تحد صارخ للاستفزازات الأمريكية..وفي خضم كل هذا، يتساءل البعض عن سر التردد الأمريكي في شن الهجوم على الجمهورية الإسلامية رغم ضخامة وتنوع الترسانة العسكرية الأمريكية، وقواعدها التي تحيط بالجمهورية الإسلامية منذ عقود فضلا عن تعاون بعض الأنظمة التابعة لأمريكا وإسرائيل في المنطقة.
وهو ما يبدو أنه قرار صعب لم تستطع الإدارة الأمريكية الحسم فيه لحد الآن، رغم الضغوطات التي تمارسها إسرائيل على إدارة ترامب الذي بات فجأة في قلب فضائح إبستين، حيث لا ينفك نتنياهو عن التحريض ضد إيران متناسيا ما فعلته الصواريخ الإيرانية في الكيان خلال حرب الإثناعشر يوما، والتي استفادت منها الجمهورية الإسلامية بشكل كبير في إعادة النظر في تحصيناتها العسكرية وتدارك الثغرات التي كانت تعاني منها خصوصا مسألة الاختراق، بعد أن تم إيقاف مئات العملاء والجواسيس حينها، ولازال الأمر ساريا منذ بدء الاحتجاجات الأخيرة التي تم اختراقها أيضا من طرف هؤلاء العملاء والمخربين تماشيا مع خطة واشنطن وتل أبيب لإسقاط النظام من الداخل، حيث فشلت هذه الخطة أيضا بعد عودة الإيرانيين إلى الشارع، لكن هذه المرة دعما للنظام الإسلامي واستنكارا للعمليات الإرهابية التي استهدفت بدعم خارجي محتجين من المدنيين وعناصر من القوى الأمنية التي كانت تقوم بعملها في الإشراف على سير هذه الاحتجاجات كما هو معمول به في كل دول العالم.
وتزيد صعوبة اتخاذ قرار الحرب لوجود كل القواعد الأمريكية في مرمى الصواريخ البالستية والفرط صوتية الإيرانية، حيث تمتلك إيران أكبر مخازن الصواريخ الباليستية في المنطقة، يصل مدى بعضها إلى حوالي 2500 كلم، فضلا عن البوارج وحاملات الطائرات الأمريكية المهددة أيضا بالألغام البحرية التي زرعتها إيران في البحار المحيطة بها، هذا بالإضافة إلى تهديد المصالح الإقتصادية لأمريكا هناك مع عدد من حلفاءها خصوصا من دول الخليج التي لم تتجاوب هذه المرة مع الإدارة الأمريكية بخصوص العدوان على إيران، حيث طلب بعضها من الولايات المتحدة الأمريكية عدم استعمال أجواءها في حال نشوب حرب خوفا من تداعياتها عليها.
وقد رفضت الجمهورية الإسلامية عرض ترامب بضرب مواقع محددة داخل إيران حفاظا على هيبتها، كما رفض الوفد الإيراني المفاوض إدراج البرنامج الصاروخي ودعم الجمهورية الإسلامية لفصائل المقاومة (حماس في فلسطين، حزب الله في لبنان، الحشد الشعبي في العراق وحركة أنصار الله الحوثيين باليمن) في ملف المفاوضات، وحصرها في البرنامج النووي فقط.
ويبقى أخطر إجراء يمكن أن تتخذه القيادة العسكرية في إيران هو إغلاق مضيق هرمز، وقد سبق أن صادق على هذا الأمر البرلمان الإيراني خلال حرب الإثنا عشر يوما بتفويض الجيش والحرس الثوري لاتخاذ القرار المناسب في حال دخلت المواجهة منعطفات وجودية. مع العلم بأن هناك حوالي 20 مليون برميل (أي قرابة 20% من استهلاك السوائل البترولية عالميًا) يمر من ذلك المضيق الاستراتيجي.
من جانب آخر، يبدو أن حلفاء إيران صاروا أكثر التزاما هذه المرة بتعزيز ترسانتها العسكرية بأسلحة متنوعة كما وكيفا، بعد وقوفهما على رغبة الأمريكي في إسقاط الأنظمة الحليفة لهما واجتهاده في تعطيل مصالحهما بالمنطقة والعالم، خصوصا مشروع الحزام والطريق الصيني، حيث أقامت الصين جسرا جويا بين طهران وبكين نقلت من خلاله الصين عددا من الأسلحة والمعدات المتنوعة من بينها طائرات عسكرية وصواريخ ومسيرات يمكنها قلب معادلة الحرب في أي لحظة، كما ساعدت إيران على تعطيل شبكة ستارلينك التي سخرها الملياردير إيلون ماسك للمحتجين في إيران لنشر مقاطع من الميدان بعد أن تم قطع الانترنت لفترة بعد أعمال العنف المشبوهة التي تخللت الاحتجاجات. أما روسيا فقد سلمت للجمهورية الإسلامية آخر صيحات مضاداتها الجوية فضلا عن آليات التشويش الإلكتروني وأسلحة أخرى. وقد كان من المتوقع إجراء مناورات عسكرية بحرية بين روسيا والصين، قبل أن تؤجل أو تلغى بعد أن أرسل ترامب فريقه لبدء المفاوضات مع إيران.
وأخيرا، فإن لإيران تاريخ طويل في الحروب غير المباشرة. عمليات “ظل”، ضغط عبر وكلاء، تصعيد محسوب، ورسائل أمنية خارج شكل الحرب التقليدية، مما يجعلها قادرة على لجم التحرشات والاستفزازات الأمريكية والإسرائيلية، والرد بقوة في حال اتخذ قرار الحرب ضدها. وهو ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدخول في المفاوضات معها، خاصة بعد أن هدد قادة إيران السياسيين والعسكريين بالحرب الشاملة التي تتحاشاها أمريكا ترامب قدر الإمكان، وتتوجس منها إسرائيل رغم النبوءات التوراتية التي ماانفك يعزف على أوتارها حاخاماتهم خلال السنوات الأخيرة بعد التحولات المتسارعة التي عرفتها المنطقة، والتي باتت مؤخرا تصب في صالح هذا الكيان، خصوصا بعد إسقاط النظام العربي الوحيد الذي كان يدعم المقاومة بدون قيد أو شرط، وتعويضه بنظام منبطح بات يتماهى مع أجندات الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في سوريا.
ويبقى خيار الخروج بحل توافقي عبر المفاوضات هو الحل الأمثل الذي يفضله ترامب أيضا، كما يرحب به الإيرانيون لتجنيب المنطقة كارثة جديدة. حيث يسجل تحفظ إسرائيل التي تريد فرض شرط تخلي إيرن عن برنامجها الصاروخي وعن دعم فصائل المقاومة في المنطقة، الأمر الذي لا تقبله طهران. فهل ستصر أمريكا على تلبية شروط إسرائيل في الجولات القادمة، أم أنها سترضخ لشروط المفاوض الإيراني الذي أكد بأنه لن يناقش ملفا غير الملف النووي على طاولة المفاوضات؟
د. محمد أكديد
باحث في علم الاجتماع السياسي