افتتاحية
بين “الحسم السياسي” وضرورات التهدئة: الصحراء المغربية على سكة الحكم الذاتي… والحدود الشرقية على صفيح ساخن-الحنبلي عزيز

*الحنبلي عزيز
حين يقول مسعد بولس، كبير مستشاري دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية، إن الولايات المتحدة الأمريكية تواصل التزامها بدعم حلٍّ “عادل ودائم ومقبول” لقضية الصحراء المغربية، فذلك ليس مجرد تصريح بروتوكولي؛ بل هو إشارة سياسية إلى أن الملف انتقل من إدارة “الزمن الأممي الطويل” إلى منطق “المسار المحدد بسقف واضح”: التفاوض انطلاقًا من مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
هذا التحول تعززه دينامية مجلس الأمن الدولي عبر القرار 2797 الذي جدد ولاية بعثة مينورسو، ووضع لغة تفاوضية أكثر تركيزًا على “مقترح الحكم الذاتي” كأساس للنقاش السياسي، بدل إعادة تدوير خيارات استنزفتها العقود. ومع أن القراءة القانونية والسياسية للقرار لا تخلو من جدل—كما تبرزها تحليلات أكاديمية وإعلامية متباينة—فإن القاسم المشترك فيها هو أن القرار يمثل “منعطفًا” في خطاب المجلس واتجاهه.
لكن أي “حسم سياسي” يحتاج بيئة إقليمية قابلة للتنزيل. وهنا تبرز المفارقة القاسية: في الوقت الذي تتشكل فيه خارطة طريق تفاوضية بواجهة جديدة—تحدثت تقارير عن لقاءات رباعية في مدريد تضم المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، مع دور أمريكي في تيسير النقاش—تتوالى على الأرض إشارات توتر على الحدود الشرقية، وبالذات في محيط فكيك ومنطقة “إيش”.
الطرح الذي يقدمه أنصار هذا المسار يقول ببساطة: إذا كان مجلس الأمن يرسم إطارًا تفاوضيًا جديدًا، وإذا كانت واشنطن—بحكم وزنها الدبلوماسي—تدفع نحو تسوية تستند إلى الحكم الذاتي، فإن النقاش الحقيقي يجب أن ينتقل إلى “الضمانات وآليات التنفيذ”: توزيع الاختصاصات، الضمانات الدستورية، ترتيبات الموارد، تمثيلية الساكنة، وآليات المراقبة والفضّ… أي هندسة حلٍّ سياسي بآليات تقنية قابلة للقياس.
غير أن المشكلة ليست تقنية فقط. فالأطراف التي تجد نفسها خارج “المنطق الجديد” قد تلجأ—وفق منطق الصراعات الإقليمية—إلى رفع منسوب التوتر لصناعة أوراق ضغط أو لتعطيل المسار. وهنا يصبح سؤال الأمن الحدودي ليس تفصيلًا محليًا، بل شرطًا سياسيًا: كيف تقنع السكان بأن “السكة واضحة” بينما هم يرون حدودهم مجالًا لرسائل النار في الهواء، أو لاستعراض القوة قرب الحقول؟
التقارير الواردة من المنطقة تتحدث عن إطلاق أعيرة نارية في الهواء قرب فلاحين مغاربة في منطقة “إيش”، وعن تحركات لإعادة ترسيم معالم حدودية، وما صاحب ذلك من خوف وسط الساكنة التي تعيش على الفلاحة وتربية المواشي. هذه روايات صحفية محلية لا تمثل حكمًا قضائيًا ولا حقيقة نهائية، لكنها كافية لتفسير لماذا يشعر الناس بأن الملف السياسي في نيويورك أو واشنطن لا يحمي يومياتهم على الأرض.
في مثل هذه اللحظات، الخطر الأكبر ليس فقط “طلقة طائشة” أو “حادث محدود”، بل قابلية تحويل أي احتكاك إلى سلسلة تصعيد يصعب ضبطها، خاصة مع تآكل قنوات التواصل المباشر وتراجع منطق الثقة بين الجارين. الأسوأ أن المدنيين يتحولون إلى أدوات رمزية في لعبة الرسائل: يرهبون كي يُقرأ الرعب سياسيًا.
هناك من يرى أن انتقال مركز الثقل نحو واشنطن قد يكون فرصة: الولايات المتحدة قادرة على فرض إيقاع تفاوضي وضبط المواعيد والضغط باتجاه “النتائج”، وقد أشارت تقارير إلى أن واشنطن ساهمت في تيسير نقاشات مدريد ضمن سياق مرتبط بالقرار 2797.
لكن الوجه الآخر لهذا المنطق أن “القيادة الأمريكية” قد تعني أيضًا أن الملف صار جزءًا من توازنات أكبر: حسابات نفوذ، اصطفافات دولية، وتقاطعات مع ملفات إقليمية أخرى. ومن ثم، فالمصلحة المغربية—كما مصلحة الاستقرار الإقليمي—تقتضي أن يظل المسار محكومًا بالشرعية الأممية وبمنطق عدم الانزلاق إلى مناورات حافة الهاوية.
ما الذي ينبغي فعله الآن؟
-
فصل مسار التفاوض عن منطق الاستفزاز: أي توتر ميداني على الحدود يضرب صدقية أي مسار سياسي، ويحوّل “الحل” إلى شعار بلا حماية اجتماعية.
-
حماية المدنيين كأولوية سيادية: ليس مطلوبًا تضخيم الحوادث إعلاميًا، لكن المطلوب آليات يقظة ميدانية وتواصل مؤسساتي يطمئن السكان ويمنع “تطبيع الخوف”.
-
جعل “التفاصيل التقنية” شفافة قدر الإمكان: كلما ظل الحكم الذاتي فكرة عامة، بقي مجال الشك واسعًا. شرح النموذج، صلاحياته، وضماناته—بخطاب يفهمه المواطن—هو جزء من المعركة السياسية الهادئة.
-
إبقاء باب التهدئة مفتوحًا: حتى في أشد الخلافات، يبقى تجنب التصعيد العسكري مصلحة للطرفين وللمنطقة، لأن كلفة الانزلاق لا يدفعها السياسيون بل السكان.




