نعيمة ايت إبراهيم
في القرى الجبلية، لا تأتي الكوارث غالبًا صاخبة، بل تتسلل ببطء، مثل قدرٍ يعرف طريقه جيدًا. هناك، حيث تتعانق البيوت الطينية مع السفوح، وحيث ينام الناس على إيقاع المطر وهم يظنون أنه مجرد عابر سبيل، استفاق سكان دوار أغبالو على حقيقة موجعة: الجبل الذي كان يحميهم، بدأ ينهار.
أيام من التساقطات الغزيرة كانت كافية لتشبع الأرض بالماء، لتتحول التربة الهادئة إلى كتلة ثقيلة تتحرك بلا رحمة. تشققات صغيرة ظهرت أولًا، كأنها رسائل تحذير خجولة، ثم اتسعت فجأة، وبدأت السفوح تزحف نحو البيوت. في لحظات قليلة، صار الأمان ذكرى، وصار الفرار هو الخيار الوحيد.
المشهد كان أقسى من أن يُروى بسهولة؛ منازل طمرها الوحل، أخرى تصدعت جدرانها، ومساحات كانت تعج بالحياة تحولت إلى ركام. حتى دور العبادة لم تنجُ من غضب الطبيعة، فالتربة حين تتحرك لا تميّز بين حجرٍ وحجر، ولا بين بيتٍ ومسجد.
ومع ذلك، وسط هذا الخراب، لمع خيط نجاة. فقد سبقت الكارثة عملية إجلاء احترازية بعدما تنبّهت السلطات إلى خطورة التصدعات. خرج السكان من بيوتهم على عجل، تاركين خلفهم ذكرياتهم وأثاثهم وتفاصيل أعمارهم، لكنهم احتفظوا بأرواحهم. وهنا، في قلب المأساة، وُلدت معجزة صغيرة: لا ضحايا تحت الأنقاض.
الناجون اليوم لا يخفون ألمهم. يقفون على التلال المقابلة، ينظرون إلى ما تبقى من الدوار، ويتساءلون كيف يمكن لحياة كاملة أن تختصر في لحظة انهيار. أطفال يبحثون بأعين حائرة عن ألعابهم، شيوخ يفتشون في الذاكرة عن ما يمكن إنقاذه، ونساء يحاولن لملمة الخوف قبل لملمة المتاع.
الطرق بدورها نالت نصيبها من الجراح، فصار الوصول إلى الدوار مهمة شاقة، وكأن الطبيعة أرادت أن تعمّق العزلة أكثر. لكن التضامن بدأ يشق طريقه، ومعه الأمل في إعادة البناء، وفي أن تقوم البيوت من جديد، ربما في مكان أكثر أمانًا.
كارثة دوار أغبالو ليست مجرد خبر عابر؛ إنها تذكير قاسٍ بهشاشة الإنسان أمام تقلبات الطبيعة، وبحاجة القرى الجبلية إلى مزيد من الحماية والتخطيط والاستباق. فالمطر الذي يحيي الأرض، قد يتحول في لحظة إلى قوة تقتلعها.
وبين الركام، يبقى السؤال معلقًا: كيف يمكن تحويل الفاجعة إلى بداية جديدة؟
ربما يكون الجواب في الإرادة الجماعية، وفي أن الحياة، مهما ضاق بها الجبل، تجد دائمًا طريقًا لتنهض.
زر الذهاب إلى الأعلى