أحمد رباص ـ تنوير
من آخر الأخبار أن الحكومة المغربية تتهيأ الآن لإصدار قرار جديد لوزيري الداخلية والصحة والحماية الاجتماعية، يقضي بتعديل القرار المشترك رقم 1250.25 الذي يتعلق بمعايير الصحة والسلامة في عمليات دفن الجثث ونقلها. سوف ينص هذا القرار الجديد على أن تبقى سيارات نقل الأموات خالية من أي شعارات، باستثناء عبارات دينية محددة مثل “لا إله إلا الله محمد رسول الله”.
جاء هذا التعديل بعد جدل شعبي وإعلامي كبير أثاره القرار الأصلي الذي منع كتابة أي عبارات دينية على سيارات نقل الموتى، مما اعتُبر تعديا على الحساسيات الثقافية والدينية للمغاربة.
واعتبر الدكتور عمر الشرقاوي، المحلل السياسي، أن هذا الوضع يكشف عن خلل في صناعة القرار الإداري بالمغرب، حيث لم يأخذ في الاعتبار المشاعر الدينية والثقافية للمجتمع.
وأشار الشرقاوي إلى أن التراجع عن القرار بعد الاحتجاجات يعكس ضعف مؤسسات الدولة، ويؤكد الحاجة إلى اتخاذ قرارات تدرس بعناية لتجنب ردود الفعل السلبية. كما أبدى قلقه من تكرار سيناريو “قرار ثم جدل ثم تراجع”، مما يؤثر سلبًا على هيبة الدولة وثقة المواطنين فيها.
كما شدد على أهمية أن تتبنى الإدارة منظورا سياسيا وثقافيا يضمن قبول المجتمع للقرارات، مع ضرورة توقع تداعياتها الاجتماعية والثقافية.
غير أن عددا كبيرا من المواطنين تلقوا أطروحة الشرقاوي بتحفظات وانتقادات. ونظرا لصعوبة التطرق لها جميعا، نكتفي بذكر نماذج منها على سبيل الاستشهاد والاستئناس.
الملاحظ على هذه النماذج من التعاليق الداحضة لما قاله الشرقاوي هو أنها جاءت عبارة عن فقرات متباينة من حيث الحجم، لكنها تشترك في نزولها تحت عناوين هي بمثابة عتبات لها.
اختار القارئ الأول إدراج تعليقه تحت هذا العنوان “الدولة لها هبتها”. ثم قرر منذ البداية أن الدولة لها هبتها لأنها تنصت لأبنائها و تدافع عن هويتهم. من يقول عكس ذلك فإنه لا يعلم بما يكفي الترابط الوطيد الذي يجمع بين الدولة المغربية و أبنائها”.
وتحت عنوان “فلسفة المطبلين”، قال المستعمل الثاني إن الدولة التي تتراجع عن بعض قراراتها إستجابة لرغبة مواطنيها هي دولة لها من الشجاعة ما يجعاها تتراجع عن قراراتها غير الموفقة مادمت تحترم رغبة مواطنيها ولا تفرض قراراتها خصوصا إذا رأى المواطنون فيها خللا أو إنكارا لهويتهم وما يمس عقيدتهم. ومن يرى في تراجع الدولة عن بعض قراراتها فقدان لهيبتها فهو صاحب فكر متسلط تجاوزه الزمن.. هيبة الدولة وقوتها ليست في فرض قرارتها مهما كانت مجانبة للصواب بل في تصحيحها خدمة لمواطنيها”.
أما المعلق الثالث فقد عنون تدخله بـ”العكس تماما”، قبل أن يبدي احترامه لراي السيد الشرقاوي وإن رأى أن مرونة الدولة في التعاطي مع هذه الفضية يزيد من ثقة المواطن في مؤسساته ويبعث له برسالة. إن القرارات تشاركية وان المؤسسات لا تعاني من عقدة النقص مما يزيد مستقبلا من تفاعل المواطنين مع مؤسساتهم وإحساسهم بأنهم (موالين الدار وليسوا برانيين). اما القول بان الدولة فقدت هيبتها فهذه مقولة لاتصلح في بلاد الحق والقانون ونظام المؤسسات المنبثق من الإرادة الشعبية، إنما هو محاولة لفرض هيبة مبنية على وصاية وليس على تشارك.
تحت عنوان: “عين الصواب”، قال المعلق الرابع إن الدولة الحرة والمسؤولة هي التي تصغي الى شعبها. الدولة الحكيمة هي التي تلتقط الاشارات وتعلم أن قوتها في تجاوبها مع تطلعات واهتمامات مواطنيها. كفى فلسفة وجعجعة خاوية…
في الختام، نورد تعليق أحد المسلمين المتشددين والمتعصبين الذي رأى القرار التراجعي “يكشف حقيقة الكفار أعداء لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويظهرهم على حقيقتهم”، على حد تعبير هذا المعلق الذي حرص على ذكر “جنة الخلد” ضمن بريده الإلكتروني بحروف لاتينية مع استبدال الكلمة الأولى بمرادفتها في لغة راسين.