نجيب خياط
في هذه اللوحة التي رسمها أنطونيو روتا لا يحدث شيء كبير في الظاهر. طفلة تقف أمام إسكافي، وحذاء قديم موضوع على الطاولة، ورجل يحاول أن يقدّر إن كان بالإمكان إصلاحه. لكن في هذا المشهد البسيط تختبئ دراما إنسانية كاملة.
الطفلة لا تتكلم، لكنها تقف بيديها متشابكتين مطبقتين على بطنها، وهي هيئة يعرفها كل من عاش الفقر: هيئة الانتظار القلق. ليست حركة جسد فقط، بل لغة صامتة تقول:
“أتمنى أن يكون ممكناً.”
وأنا أتأمل اللوحة، تخيلت أن هذا الصمت ربما كان يخفي دعاءً صغيراً يشبه همس الأطفال حين يخاطبون الله بلا تكلف:
“يا ربي هاد الصباط اللي عندي… يا ربي يقدر يصلحو ليا.”
أما الإسكافي، فقد حمل الحذاء بيديه كما لو كان يزن مصيراً صغيراً. خبرته الطويلة جعلته يعرف أن بعض الأشياء حين تبلى كثيراً لا يعود بالإمكان إنقاذها. لذلك يبدو متردداً، وكأن السؤال لم يعد تقنياً فقط:
هل يمكن إصلاح الحذاء؟
بل أصبح سؤالاً إنسانياً أيضاً:
كيف أخبر هذه الطفلة أن الأمل ربما انتهى؟
اللحظة كلها معلّقة بين شيئين:
الأمل الذي يسكن عيون الطفولة، و قسوة الواقع التي يسكنها الكبار.
هنا تظهر قوة الفن. فالفنان لا يروي قصة كبيرة، بل يوقف الزمن عند لحظة عادية جداً من حياة الناس الفقراء؛ لحظة قد تتكرر آلاف المرات في الأزقة والقرى دون أن يلتفت إليها أحد. لكنه حين يثبتها في اللوحة، يجعلنا نراها بوضوح، ويجعل معناها يظهر أمامنا كما لو أننا نعيشها.
وأنا أتأملها شعرت أن الحذاء لم يعد مجرد حذاء. بدا كأنه طريق صغير كاد أن يتوقف، وأن وقفة الطفلة ليست مجرد انتظار، بل رجاء صامت معلق في الهواء.
ربما لهذا نشعر نحن البشر بميل طبيعي نحو الفن. فالفن، مثل الحاجة الروحية، طريقة نحاول بها أن نعبّر عن ذواتنا العميقة. حين يرسم الفنان، أو يعزف الموسيقي، أو يكتب الأديب، فإنه لا ينقل الأشياء فقط، بل يكشف شيئاً مما يسكن الإنسان من رجاء وقلق ومعنى.
توقفت أمام هذه اللحظة أكثر مما توقفت أمام لوحات كثيرة. ربما لأن الفنان استطاع أن يرفع عنها ذلك الحجاب الخفيف الذي يغطي تفاصيل حياتنا اليومية. فجأة تبدو الأشياء الصغيرة أكثر عمقاً: انتظار بسيط، أمل صغير، قلب يتمنى أن يكون الإصلاح ممكناً.
هناك، أمام اللوحة، خطر لي أن بعض الأدعية لا تُقال بالكلمات. تظهر أحياناً في هيئة جسد صغير يقف بصمت، أو في لحظة انتظار هادئة لا يسمعها أحد.
وربما لهذا خرجت من تأمل اللوحة بشعور بسيط: كأن الفن يستطيع أحياناً أن يقرّبنا قليلاً من جوهرنا، ومن الخير الذي يسكننا، وكأن الفن دعاء القرب من الله.
فبعض الأعمال الفنية لا تعلّمنا شيئاً مباشرة، لكنها تجعلنا نهمس في داخلنا بدعاء صغير: أن يكون العالم، ولو قليلاً، أقل قسوة.