وجهة نظر

من يقف وراء دعوات تكفير الشيعة؟ وماهي أهدافهم الحقيقية؟ د. محمد أكديد

  ما إن بدأ العدوان على الجمهورية الإسلامية في إيران حتى أطلت علينا مرة أخرى رؤوس الفتنة الطائفية من دعاة السلفية الوهابية بعضهم يتشفى في مقتل المرشد الإيراني السيد علي الخامنائي، والذي تم اغتياله غدرا مع عدد من القيادات العسكرية في الوقت الذي كانت فيه المفاوضات جارية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية عبر الوسيط العماني في جنيف، وبعضهم يتفنن في انتقاء نفس الأدلة المشبوهة لتكفير الشيعة على الإطلاق رغم أن القوم يشهدون أن لا إلاه إلا الله وأن محمدا رسوله ويؤدون الصلاة ويصومون ويزكون بل ويحجون مع باقي طوائف المسلمين كل عام.

لكن التيارات السلفية التكفيرية لا تمل من استدعاء نفس الأسطوانات الطائفية المشروخة في خطاب قميء، إلى حد اصطفاف عدد من دعاتهم اليوم مع الكيان الصهيوني وأمريكا في حربهما ضدإيران بل والتمادي في تخوين جزء من إخوتهم المغاربة الذين رفعوا شعارات التضامن مع دولة إسلامية تعرضت لعدوان غادر من عدو ظاهر، لا يميز بين دماء المسلمين شيعتهم وسنتهم، بل يحتقر الجميع ويفرض حروبه وأجنداته المدمرة على كل المنطقة العربية الإسلامية التي باتت عرضة للتقسيم والاحتلال أكثر من أي وقت مضى. وقد كشف هؤلاء عن نواياهم التي لم تكن في الواقع سرا مصونا، حيث صرح السفير الأمريكي لدى الكيان مايك هاكابي بكل وضوح عن حق إسرائيل التوراتي في كل المنطقة، كما باتت خريطة إسرائيل الكبرى أقرب إلى الواقع بعد أن كانت مجرد شعار حالم يزين البزات العسكرية للجيش الصهيوني.

إن استدعاء الخلاف الطائفي بأي حال من الأحوال في هذه الظرفية التي يتعرض فيها بلد مسلم مهما اختلفنا معه مذهبيا أو سياسيا لهو خيانة لكل الأمة الإسلامية التي عانت لعقود ولا زالت تعاني الويلات من الغزو الاستعماري الذي يبدو أنه لم يتوقف، بعد التدخلات الأمريكية والكيان الصهيوني في عدد من الدول العربية والإسلامية، وتدمير بناها التحتية واستنزاف ثرواتها الطبيعية وفرض قادة منبطحين للإملاءات الأمريكية ومطبعين مع الكيان الصهيوني على شعوبها التواقة إلى الحرية والديموقراطية والاستقرار. وقد سبق لهؤلاء المهرجين أن كفروا أغلب القادة الذين وقفوا في وجه الدول الاستعمارية من جمال عبد الناصر إلى الخامنائي، بل وبررعدد من علماء السلفية الوهابية كالشيخ عبد العزيز بن باز إنشاء قواعد عسكرية في دول الخليج عبر فتواه بجواز الاستعانة بالقوات الأمريكية وحلفائها عام 1990-1991 لطرد القوات العراقية من الكويت وحماية السعودية من تهديد نظام صدام حسين.

وعودة إلى بعض الاتهامات المتكررة التي يروج لها هؤلاء حول الشيعة، فإن أغلبها ساقط في ميزان النقد والتحقيق، أو صادر عن بعض غلاة الشيعة القدامى أو المعاصرين. حيث يستشهدون فيما ينقلونه عن تكفير الشيعة للسنة أو سب الصحابة وأمهات المؤمنين رض وغير ذلك من الانحرافات العقدية في العادة بتصريحات متطرفة لهؤلاء الغلاة وعلى رأسهم الشيخ أمير القرشي الذي يهاجم أيضا كبار مراجع الشيعة في العالم الإسلامي وقادة المقاومة الإسلامية في المنطقة، وصاحب قناة فدك الشيخ ياسر الحبيب القابع في لندن، والذي تعده الدوائر المعتدلة في العالم الشيعي مسعر فتنة. وقد أسقطت عنه السلطات الكويتية الجنسية في سبتمبر 2010 بسبب إساءاته إلى الصحابة وتصريحاته المستفزة لأهل السنة.

وفي المقابل هناك فتاوى لعدد من كبار مراجع الشيعة على رأسهم السيد الشهيد علي الخامنائي والسيد علي السيستاني والراحل السيد محمد حسين فضل الله تحرم سب الصحابة وأمهات المؤمنين رض. أما تكفير أو معاداة السنة فتلك فرية سقطت بعد انخراط الشيعة من داخل محور المقاومة في نصرة المقاومة الفلسطينية وإسناد غزة في الوقت الذي تخلت عنها كل الأنظمة السنية، كما تجاهل استغاثتها كل الجماعات المسلحة التي كانت تقاتل بحماس في سوريا مقدمة نفسها وصية على السنة والإسلام زورا وبهتانا. وتبقى فرية تحريف الشيعة للقرآن من أكثر الاتهامات تداولا عبر التاريخ، حيث يكفي التنقل بين القنواتالفضائية الشيعية المتوفرة اليوم للوقوف على سخافة هذا الاتهام البليد، فضلا عن احتجاج علماءهم في موارد الأحكام والنقاشات المذهبية والعقدية بنفس القرآن الذي يوجد عند باقي الطوائف الإسلامية، وإن كانت هناك روايات غريبة في بعض متونهم تفيد التحريف فقد ضعفها علماءهم المحققين، أو تم توضيح مراميها بعيدا عما يذهب إليه خصومهم من تحريف النص القرآني، حيث نجد مثل هذه الروايات أيضا في عدد من صحاح السنة كالرواية التي تتحدث في البخاري عن آية الرجم التي نسخت فيما يسمى نسخ التلاوة أو بعض الروايات التي تفيد بأن المعوذتين ليستا من القرآن أو الرواية التي تورد بأن سورة الأحزاب كانت أطول من سورة البقرة مما توقف عنده غير واحد من علماء ومحققي السنة أيضا. وهكذا تسقط باقي الافتراءات في ميزان النقد والتمحيص، حيث يمكن بسهولة اليوم الوقوف عند تفاصيل وأدلة كل موضوع من مواضيع الخلاف بين الشيعة والسنة سواء في الجانب العقدي أو التعبدي أو فيما يتعلق بالمعاملات والعقود ومقارنة حجة كل فريق دون تشنج أو تعصب يؤدي إلى الكراهية ونشر الحقد بين المسلمين مما يجتهد فيه دعاة وأتباع السلفية الوهابية منذ عقود مما كانت له تداعيات وخيمة على أمن واستقرار المنطقة، خاصة وأن هناك محطات مشرقة للتواصل بين المذهبين، لعل من أبرزها تأسيس جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية بين علماء سنة ومراجع شيعة من عدد من الدول الإسلامية في مقدمتها مصر ولبنان والعراق وإيران. حيث كان لمحمد شلتوت، وهو من أبرز شيوخ الأزهر خلال فترة الخمسينات دور كبير في هذا التقارب، خاصة بعد إصدار فتواه المشهورة بجواز التعبد بالمذهب الجعفري الذي يتعبد به غالبية الشيعة سنة 1959، سعيا لنبذ التعصب والطائفية العمياء وتوحيد الصف.

هكذا، بات من الواضح أن دعاة فقهاء هذه التيارات التكفيرية التي كانت ولا زالت وراء انتشار دعوات الكراهية بين المسلمين عبر التاريخ وتشويه صورة الإسلام بعد ربطه بالإرهاب بسبب الأفعال الإجرامية التي تورطت فيها الجماعات المسلحة المتأثرة بأفكار ومواقف هذه التيارات المتطرفة، باتوا يخدمون عن قصد أو عن غير قصد مشاريع الاستكبار العالمي والصهيونية بعد أن باتت تسهل عليهم نشر الفوضى والإرهاب والفتن في بلاد المسلمين تمهيدا لتقسيم الأوطان على أسس طائفية وعرقية لتسهيل التحكم في قادتها واستنزاف ثرواتها واستعباد شعوبها المغلوبة على أمرها.

د. محمد أكديد

 باحث في علم الاجتماع السياسي

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى