ثقافة و فن

نيتشه ينظر إلى الجسد كإرادة قوة وسيد على الروح – أحمد رباص

بالنسبة إلى التقليد الفلسفي، سواء عند أفلاطون أو في الفكر المسيحي، يشكل الروح والجسد جزأين متميزين في الإنسان. أكثر من ذلك، يمنح هذا التقليد الفلسفي الروح تفوقا على الجسد. يتعارض فكر نيتشه مع هذه التراتبية التقليدية بين الجسد والروح. يأتي الجانب الابداعي والخاص للفكر النيتشوي قبل كل شيء من وضعه لهذا التقسيم بين الجسد والروح موضع سؤال ونقاش.
إذا كنا في الغالب نتمثل فكر نيتشه كإعادة تقييم بسيطة للجسد في علاقته بالروح، فإن فكره يعيد النظر تماما في مفهوم الجسد لأنه يسائل الفصل الكلاسيكي بين الروح والجسد.
يقوم فكر نيتشه حول الجسد على تعارض تام مع التقليد الفلسفي القديم والمسيحي: تتعارض نصوصه مع أفلاطون (الفكر القديم)، مع المسيح (الفكر الكاثوليكي) كما تتعارض مع سخافة “الحشود” وجهلها.
“بقدر ما يذهب أحدنا بعيدا في معرفة ذاته، فلا شيء مع ذلك يمكن أن يكون أكثر نقصا من صورته عن مجموع الغرائز التي يتشكل منها كيانه. بالكاد يمكنه تسمية تلك الأكثر وقاحة بالاسم”، يقول نيتشه في كتابه “الفجر”،
[Aurore, II, §119 (in OPC, IV, trad. J. Hervier, Paris, Gallimard, 1980].
يتكون الإنسان فقط من الغرائز (سوف نقف عند تعريفها لاحقا). يؤكد نيتشه أن الحشود والفلاسفة يتجاهلون الغرائز – الأخيرون (الأفلاطونيون والمسيحيون) لم يحاولوا أبدا التعرف عليها. هذا الجهل هو سبب استمرار الأحكام القبلية الخاطئة، بل الضارة، ذلك الاستمرار الذي فرض تفوق الروح على الجسد.
في التقليد الفلسفي، تمثل الروح الثبات والجسد التحول. القدماء، مثل القديس أوغسطين، التقليد المسيحي والحشود يفرضون الثبات كمعيار للقيمة من أجل ترتيب الأشياء: كلما كان الشيء ثابتا وغير متحرك، زاد تقديره. ولهذا السبب تتفوق الروح على الجسد في التقليد الفلسفي. أكثر من ذلك، بما أن الروح أكثر موثوقية من الجسد، لأنها ثابتة، بينما الجسد متحرك، فإن الاستنتاج الذي استخلصته الحشود وهؤلاء الفلاسفة من هذه الفكرة هو أن الروح أكثر واقعية من الجسد، ما يبرر مرة أخرى تفوقها على الجسد.
أنكر نيتشه تماما هذا الادعاء بأن الروح أسمى من الجسد. فمن ناحية، تخلى عن معيار الثبات كمعيار للقيمة، وأعاد القيمة للتحول والحركة بدلاً منه.
من ناحية أخرى، نفى أيضا هذه التراتبية بين الروح والجسد من خلال التأكيد على أن الفكرة التي تبررها، أي كون الروح أكثر واقعية من الجسد، هي بالنسبة إليه حكم مسبق خاطئ وضار. على العكس تماما، وفقا لنيتشه، الجسد أكثر واقعية من الروح. الجسد ليس مسؤولاً عن سوء تأويل الواقع: إذا أخطأنا في الحكم على الواقع، يوجه اللوم للروح. عندما تؤول الروح الواقعي، أي عندما تقحم فيه ثباتا، انتظاما، تخون الواقعي، لأنها تضيف عناصر لا يمتلكها الواقع.
تقتضي ماهية الواقع بالتحديد خلوه من الثبات والانتظام؛ لأن الواقع هو التحول وعدم الانتظام. ترغب الروح، من جهتها، في إقحام الثبات، من خلال، مثلا، تحديد القوانين التي تحكم الواقعي والانتظام. إنها تبدع المفاهيم، من خلال، مثلا، إنشاء مقولات لتفكيك الواقعي من أجل تحليله وتفسيره. إن غرائز معينة تفسر ماهية الروح، وبالتالي فهي مسؤولة عن هذا التشويه للواقعي. إن غريزة الأمن على وجه الخصوص هي التي تدفعنا إلى عقلنة الواقعي ما دام ذلك يسمح لنا بالتحكم فيه، وبأن يصبح الإنسان “سيد الطبيعة ومالكها” (ديكارت).
باختصار، الروح بالماهية تعقلن الواقعي لتضفي عليه ثباتا، انتظاما حتى تزيح عنه كل الغموض الذي يلفه. وهكذا، من حيث ماهيتها، التي تحملها على إقحام الثبات في حيز لا يوجد فيه، تخدعنا الروح (والغرائز التي توجهها) في شأن الواقعي.
يقول نيتشه: “الحواس لا تكذب إطلاقا. هذا ما نفعل بشهادتها التي تقحم فيها الكذب، كذبة الوحدة، كذبة الموضوعية، الجوهر، الديمومة… إنما “العقل” هو سبب تزوير شهادة الحواس. طالما أن الحواس تدل على الصيرورة، على اللاثبات، على التغير، فهي لا تكذب… ” (أفول الأصنام)،
[Crépuscule des idoles, “La “raison” dans la philosophie”, §2 (in OPC, VIII, trad.J-C. Hémery, Paris,
Gallimard, 1974] إن حواسنا، التي تسمح لنا بأن تكون لنا مقاربة أولى للواقع، تخونها أرواحنا: “إن”العقل”هو سبب تزوير شهادة الحواس”.
هكذا يكون الحكم المسبق، الذي يصف الروح بأنها أكثر واقعية من الجسد لثباتها وطبيعتها الأبدية، باطلا. الجسد واقعي بخلاف الروح، لأنه من خلال التعرض للتحول وعدم الانتظام يكون أقرب إلى الواقع، الذي هو نفسه عرضة للتحول وعدم الانتظام.
الوجود هو الجسد والروح مجرد جزء من الجسد. لتفسير هذه القضية التي طرحها نيتشه، يعاد ما قيل للتو من أن نيتشه يشكك بشكل أساسي في الافتراض القائل بأن الروح أسمى من الجسد. بالفعل، من خلال الاعتماد في الغالب على الحكم المسبق القاضي بأن الروح أكثر واقعية من الجسد، نقيم بعد ذلك تراتبية بين هذين الجزأين من الوجود. بدافع الجهل، أعلنت الحشود والفلاسفة الأفلاطونيون والمسيحيون، على حد سواء، تفوق الروح على الجسد. نيتشه لا يكتفي فقط بانتقاد هذا التراتبية بين الروح والجسد، بل يذهب أبعد من ذلك، ويتساءل عن هذه الثنائية في الوجود المشكلة من الروح والجسد.
بالنسبة إلى نيتشه، الروح ليست سوى جزء من الجسد باختصار شديد، الوجود ليس سوى جسد. يؤكد زرادشت، الشاعر والنبي والشخصية الرمزية في كتاب نيتشه، “هكذا تكلم زرادشت”، على انتماء الروح إلى الجسد في هذا المقتطف:
“أنا الجسد كامل بالكل، ولا شيء غيري، والروح ليست سوى كلمة لتعين شيئا ما في الجسد.”
[Ainsi parlait Zarathoustra, “Des contempteurs du corps” (in OPC, VI, trad. M. de Gandillac, Paris, Gallimard, 1971] لماذا لا يتكون الوجود سوى من الجسد وحده؟ كيف نفسر كون كل هذه الأشياء مثل “العقل”، الوعي، الروح، الفكر ، الذكاء،.. إلخ، والتي عادة ما تصنف ضمن فئة “الروح” تنتمي بالتالي إلى الجسد؟ الجواب الذي يعطينا إياه نيتشه هو التالي: بما أن الإنسان يتكون فقط من الغرائز والإرادات – اللاواعية في الأغلب الأعم – فكل هذه الظواهر التي نسميها “العقل، الروح، الوعي، إلخ..” هي فقط مظاهر من الجسد.
الجسد، باعتباره مجرد رغبة، دوافع، غرائز، إرادات غير واعية، يقود ويوجه كل أفكارنا التي ليست سوى نتاج دوافع عضوية. لا توجد روح مستقلة عن الجسد؛ لأن أفكارنا كلها ليست سوى نتاج غرائزنا، سوى خدم غرائزنا.
والحال أن كياننا يتكون فقط من الغرائز، وإذا لم تكن هناك روح، أو عقول، إلخ..، فلا وجود سوى للجسد. الجسد غريزة، الغرائز توجه، سواء كانت واعية أم لا، فكرنا، أفكارنا، التحليل الذي نقوم به للواقع. (اخترنا مثال عقلنة العالم: لقد كانت غريزة الأمن هي التي حفزت هذا السلوك، هكذا يكون الجسد هو ما قرر عقلنة العالم.) لذلك، يتابع زرادشت:
“وراء أفكارك ومشاعرك ، يا أخي ، يقف سيد جبار، دليل طريق مجهول – يسمي نفسه. يعيش في جسدك، هو جسدك”. (نفس المصدر).
يجب أن يكون الجسم هو الموضوع الوحيد الذي ينبغي الاهتمام به لدراسته فلسفيا. ذلك أنه حتى مع الاحتفاظ بهذه الثنائية بين الجسد والروح، فإن الجسد أكثر واقعية من الروح. وأكثر من ذلك، هذه الثنائية سخيفة لأن كل شيء هو جسد والروح ليست سوى جزء من الجسد.
وهكذا، بالنسبة إلى نيتشه، فإن ما يجب دراسته، وما يجب أن يكون أولا موضوع تفلسف، هو الجسد. ليست الروح هي التي يجب دراستها في المقام الأول، وليس الفكر هو الذي يجب دراسته. من الضروري دراسة سبب أو أسباب هذه الظاهرة، التي هي في هذه الحالة الغرائز.
ليس الفكر سوى نتيجة للغرائز، للدوافع التي تنبعث من الجسد. لهذا السبب يجب على الفيلسوف أن يدرس اولا الجسد وليس الروح.
داب التقليد الفلسفي، من سقراط إلى الحشود مرورا بالمفكرين المسيحيين، على الاستخفاف بالجسد لصالح الروح. لتبرير هذا التفضيل، يعتمدون، من ناحية، على معيار الثبات لتأسيس مثل هذا التراتبية. فبما أن الروح ثابتة والجسد متحرك، تتفوق الروح على الجسد. ومن ناحية أخرى، بما أن الروح دائمة – وهذا ليس هو حال الجسد، فهي أكثر موثوقية وبالتالي فهي أكثر واقعية من الجسد. يعارض نيتشه بشكل جذري فكرة أن الروح أسمى من الجسد.
من جهة، يأخذ كمعيار تحول الأشياء وقابليتها للتغير لإقامة تراتبية بديلة (وبالتالي لقلب تلك التراتبية التقليدية)، ومن جهة أخرى، يعتبر فكرة “موثوقية الروح” لإثبات أنها أكثر واقعية من الجسد فكرة خاطئة.
بالنسبة إلى نيتشه، ما دام أن ماهية الواقع تقتضي أن يكون متحركا ومتغيرا، تماما مثل الجسد، ترغب الروح من جانبها، من حيث الماهية، في إقحام السكون والثبات في الروح، وبالتالي يكون الجسد أكثر واقعية من الروح.
يذهب نيتشه إلى أبعد من ذلك، إذ يعارض الثنائية الكلاسيكية المقامة بين الروح والجسد. ليس الوجود إلا جسدا، طالما ان الوجود ليس سوى غريزة. فالروح ليست سوى جزء من الجسد. فكرنا كله، أفكارنا بأسرها، إلخ..، (ما ننسبه تقليديا إلى الروح) هي في الواقع موجهة فقط من قبل الغرائز. فالروح ليست سوى جزء من الجسد: إنها خادمة للجسد ومطيعة لغرائزه.
انطلاقا من هاتين الحجتين، تفوق الجسد على الروح والروح كجزء لا يتجزأ من الجسد، أوضح نيتشه أن الهدف الأول للفلسفة يجب أن يكون الجسد وليس الروح. يجب ألا ندرس الفكر، لأنه نتيجة للغرائز فقط: لذلك يجب علينا دراسة الغرائز، أي الجسد، الذي هو سبب الفكر.
والآن، يجدر بي الوفاء بما وعدت به القراء الكرام من إعطاء تعريف للغرائز. سوف أكتفي هنا بتقديم أول تعريف غامض نوعا ما للغرائز عند نيتشه.
إذا أردنا إعطاء تعريف تركيبي للغرائز، يمكننا القول إنها تشكل عمليات، أشياء متحركة، تسمح بتنامي قوتها؛ فكل الأشياء الواقعية (سواء كانت بشرا، حجرا، اوراقا، إلخ..)، تتكون من الغرائز وتريد زيادة قوتها.
إن الجسد عند نيتشه مركب من أحياء متراتبة على نحو هرمي. ولكن ما هو تعريف مفهوم الجسد عند نيتشه؟ إنه ليس لا فردا ولا كلا متجانسا. الجسد (الوجود، كل ما هو موجود في واقعنا) هو مركب من الغرائز. هذه الغرائز (أو الدوافع) متعددة؛ فهي قوى في حركة دائمة تدخل في تناقض في ما بينها أو يمكن أن تساعد بعضها البعض.
ويبقى الشيء الأساسي الذي يجب اعتباره هو أن نيتشه يعارض بشكل جذري الفلاسفة التقليديين، ويقترب أكثر من هيرقليط الذي عاش قبل سقراط حين يعتبر الجسد مكونا من قوى متعددة (يسميها “غرائز” أو “دوافع” لا هي من مادة ولا هي من روح) وهي في حركة دائمة.
لنعد التذكير بما سبق أن قررناه في الحلقات السابقة من أن فلاسفة التقليد (أفلاطون، مثلا) يفضلون الثنائية (الجسد مقابل الروح؛ الحب مقابل الكراهية، إلخ..) والسكونية (كل ما هو ثابت دائم، غير متحرك).
هذه الدوافع، هذه الغرائز، التي يتكون منها الجسد، يسميها نيتشه “أحياء”. يستخدم مصطلح “حي” للإشارة إلى المظهر غير المستقر و”المتحرك” للغرائز.
ولا ينبغي لنا أن ننخدع بذلك المصطلح، فهذه الغرائز ليست من مادة عضوية! الكائنات (أي الأجساد)، سواء كانت بقرة أو حجرا أو بشرا، تتكون من هذه الأحياء.
نيتشه يربط هذه الأحياء بـ “الذرات الروحية، لكنها كائنات تنمو، تكافح، تنمو أو تفسد”. من “شذرات منشورة بعد وفاته”.
[Fragments posthumes, XI, 37 [4] (in OPC, XI, trad. M. Haar et M. B. de Launay, Paris, Gallimard, 1982] كيف يمكن للجسد أن يشكل كلاً متماسكا (غير كامل) على الرغم من أنه مركب من الغرائز المتعددة وغير المستقرة بطبيعتها؟ بالنسبة لنيتشه، يتعلق الأمر هنا ب”معجزة المعجزات” [نفس المرجع]. لهذا كان من المتعين الإعجاب بالجسد وليس بالروح أو العقل.
إذا كان الجسم يشكل كلا متماسكا، فذلك بسبب وجود تراتبية هرمية بين الأحياء (= الغرائز، الدوافع): بعض الأحياء تتفوق على غيرها وتفرض أوامرها على الأحياء الأخرى التي لا تملك إلا أن تطيع.
وهكذا يوجد نظام يحكم أجسادنا، يمكن أن نسميه أرستقراطية الغرائز، حيث يحكم الأقوى الأضعف، وهذه هي الطريقة التي يشكل بها الجسم كلا متماسكا. هذا هو سبب تعريف نيتشه للإنسان على النحو التالي:
“الإنسان عبارة عن تعددية من القوى الواقعة في تراتبية”، [نفس المرجع].
لعله من المناسب لسياق هذه الحلقة ختمها برؤية نيتشه للجسد كنموذج سياسي، يشخص حلم المجتمع الأرستقراطي. علينا أن ندرك أن نيتشه يستخدم استعارة سياسية لشرح التنظيم الجيد للجسد. تماما مثل المجتمع، يتكون الجسد من قوى متعددة (أناس “أحياء”) يواجهون أو يساعدون بعضهم البعض ويخضعون لسيطرة قوى أخرى متفوقة عليهم. فهل يدعو نيتشه إلى نموذج أرستقراطي لتنظيم المجتمعات البشرية؟ الجواب غامض: إذا كان بعض المعلقين مثل لوكاتش بذلوا قصارى جهدهم لوصف نيتشه، لهذا السبب على وجه الخصوص، كمفكر للنموذج النازي (“الأقوياء” (الآريون) يسيطرون على “الضعفاء”)، يأتي آخرون مثل Wotling لإعادة الاعتبار لفيلسوف المطرقة.
إذا قلنا مع نيتشه إن الأحياء أرواح فالأكيد أننا نكون في مواجهة مفارقات جديدة! كيف ذلك؟ لنتابع إذا أردنا معرفة الجواب.
البنية التنظيمية للجسد ليست جامدة لا تتحرك. الغرائز لا تتواصل بطريقة آلية مع بعضها البعض، ولا تلعب الغرائز العليا دورا في توصيل الأوامر ميكانيكيًا إلى الغرائز السفلى. يظهر نيتشه مرة أخرى أكثر دقة في هذا الصدد: تفكيرنا متقلب لأن التراتبية الهرمية لغرائزنا هي نفسها متقلبة. هكذا نلفي، مرة أخرى، أن قابلية التحول هي المهيمنة، حتى ضمن هذه التراتبية الهرمية للغرائز.
هكذا يتحدد الخضوع بين “الأحياء” على أنه “متعدد الأشكال، وليس أعمى، أقل ميكانيكية بكثير، لكنه نقدي، حكيم، حذر، بله متمرد” [المرجع نفسه. 37 [4]] التبادلات بين الأحياء تتعدل وفقا للتقديرات النقدية، بل “المتمردة” لمختلف الأجهزة العاملة. لهذا السبب لا يمكن لنا مماثلة الأحياء بالتروس، ينظر نيتشه إلى غرائز الأجساد كأنها “ارواح” أو “نفوس”. لذلك يقول بوضوح شديد:
ليس جسدنا سوى صرح من النفوس المتعددة”. [Par-delà bien et mal, “Des préjugés des philosophes”, §19 (in OPC, VII, trad. C. Heim, Paris, Gallimard, 1971)].
في المحصلة الأخيرة، يتكون الجسد من مركب من الغرائز، المتعددة والمتحركة باستمرار. هذه الغرائز، كما يسميها نيتشه “أحياء”. هذه “الأحياء” متراتبة بشكل هرمي، لكن الأوامر من الأحياء العليا إلى الأحياء السفلى لا تحدث بصورة آلية، أو لنقل تلقائية. يوضح نيتشه أن لكل واحد من هذه الأحياء “نفسا”. إذا، الجسد مكون من عدة نفوس. وهنا تقول لنفسك “اللعنة! ماذا بحق الجحيم؟”. هل لهذه الأحياء جسد ما هي إلا نتاجه؟ هل هذا الجسد نفسه مصنوع من الروح؟ هناك خطر الانحدار إلى ما لا نهاية. للإجابة على هذه المشكلة الجديدة، يجب أن نعود إلى ما وراء معارضة الروح والجسد، إلى المبادئ الأساسية لفلسفة نيتشه. هذا ما سوف نقف عليه في الحلقات القادمة.
الجسد وجود (كل ما هو موجود) مكون من مركب من الغرائز. هذه الغرائز (أو الدوافع) متعددة وهي في حركة دائمة: فهي تواجه أو تساعد بعضها البعض. تسمى هذه الغرائز أو الدوافع “أحياء” بسبب طبيعتها غير المستقرة والمتحركة.
هناك تراتبية هرمية تحكم هذه الغرائز: الأقوى يسيطر على الأضعف، وهذا التنظيم الأرستقراطي للغرائز يسمح للجسم بتكوين كل متماسك، يجب الإعجاب به.
لذلك يستخدم نيتشه استعارة سياسية لشرح تماسك الجسد. هذا هو السبب في أننا سنميل إلى الاعتقاد بأن نيتشه يدافع عن النموذج الأرستقراطي في تنظيم المجتمع، وهذه مسألة طرحها وناقشها بعض قراء المتن النيتشوي. إن التراتبية الهرمية للأحياء داخل أجسادنا ليست ثابتة حد الجمود؛ ذلك أن الغرائز العليا لا تنقل الأوامر إلى الغرائز السفلى وفقا لآلية ثابتة ومتكررة.
على العكس من ذلك، تتكيف الطبيعة المتقلبة لهذه التراتبية الهرمية للغرائز مع الظروف، هي التي تفسر الجانب المتقلب في تفكيرنا. هذه الأحياء، التي تغير أوامرها وعلاقاتها ببعضها البعض لأنها “متمردة”، لديها روح في عرف نيتشه.
مع نيتشه، ومن خلال هذه السلسلة من المقالات، يتسنى لنا أن نعرف ما إذا كان من الممكن تفسير الواقع. لنلخص في عجالة موقف التيارات الفلسفية الرئيسية في هذا الصدد. يدعي المثاليون أن هذا ممكن: من خلال “علم النفس” (ما الواقع إلا روح فقط، والجسد لا وجود له)، بينما يقول الماديون أنه يمكن تفسير ذلك بالفيزياء (تحديد قوانين الواقع المادي الذي ليس سوى جسد، ولا وجود لشيء اسمه الروح). بينما يشهد الثنائيون على أنه يمكننا التعبير عن الواقع من خلال أحدهما، تبعا لما إذا كان الواقع هو عالم الأفكار (التفسير النفسي) أو عالم الظواهر (التفسير المادي).
في الفقرات السابقة، رأينا أن نيتشه من جانبه أظهر حلقة نفسية فيزيولوجية نفسية عندما أراد شرح الواقع. لما اعتبر الروح جزء من الجسد، استخدم حجة فسيولوجية لتفسير الواقع، ثم بين أن الجسد مكون من أرواح، فكان لا بد من أن يوظف هنا حجة نفسية. هل من الممكن الخروج من هذه الدائرة؟
قبل الإجابة على هذا السؤال، حري بنا ان نعود إلى فكرة الروح عند نيتشه. أكيد أنها لا تتوافق بأي حال مع التقليد الفلسفي الذي ينص على أنها جوهر روحي متفوق على العالم المادي. سوف نأتي بمزيد من التفاصيل في نهاية هذه السلسلة.
لنعد التذكير بأن واقع نيتشه هو مجرد فوضى وقابلية للتحول: لا يمكننا استخلاص قانون منه، يمكننا فقط تأويله. إن تفسير الواقع مسألة خاصة بكل فرد، لأن لكل واحد منا دوافعه الخاصة التي هي من الروح وإليها، أي أنها مبدأ محرك يدفع للعمل.
في الواقع، الأرواح هي إرادة قوة، أي أنها تؤول العالم. وهكذ، تتجلى إرادة القوة أساسا في الشكل والتأويل الذي تعطيه للواقع.
إذن، لا جواب عن السؤال: “هل من الممكن الخروج من هذه الدائرة؟” إلا بالتفي: لا علم النفس ولا علم وظائف الأعضاء كافيان لوحدهما لتفسير العالم. لا يوجد علم واحد (علم النفس أو العلم البحت) يمكنه تفسير الواقع. يوضح نيتشه أنه من الضروري اللجوء إلى تعددية العلوم لفهم العالم. لذلك، الواقع لا يفسر ولكن يؤول: هناك العديد من الحقائق حول الواقع. إنما إرادات القوة لدى فرد هي التي تؤول العالم وتقدم “حقيقتها” عن العالم.
يتألف جسدنا من مجموعة من الأرواح لأنه مشكل من العديد من الدوافع، المتعارضة أو المتحدة، لأجل تأويل العالم. يشكل اقتران هذه النبضات المختلفة إرادة قوة الجسد ككل.
يقول نيتشه: “إرادة القوة هي الشكل البدائي للتأثير. […] كل التأثيرات الأخرى ليست سوى تطورات لها”. (شذرات منشورة بعد مماته)، [Fragments posthumes, XIV, 14 [121] (in OPC, XIV, trad. J-C Hémery, Paris, Gallimard, 1977].
لنتحدث الآن ولو بإيجاز عن قوة الإرادة وصحة الجسد. كل جسد يتكون من إرادة القوة، سواء كانت هذه صاعدة، أي أنها مواتية لازدهار الحياة أو أنها منحطة وفي هذه الحالة تتعارض مع ذلك الازدهار. كل فرد يؤول العالم بشكل مختلف، لأن إرادة قوة كل فرد (أي التأويل الذي يقوم به للعالم) يتم التعبير عنها بمجموعة من الدوافع.
يمكن لهذه الدوافع أن تتحالف أو تتعارض، وعندما تكون متراتبة بشكل هرمي، فهذا يعني أن أقواها يهيمن على أضعفها. في مثل هذا الترتيب، تكون إرادة قوة الفرد متصاعدة: تكون مواتية لازدهار الحياة، وتسمح بالإبداع والابتكار؛ من هنا يمكننا القول أن نيتشه يثمن مبدأ الحيوية.
في المقابل، عندما تكون الغرائز “خارجة عن النظام”، وعندما لا يكون هناك حكم أرستقراطي للدوافع داخل الجسد، فإننا نشهد انحلالًا في الدوافع. في هذه الحالة، تكون إرادة القوة منحطة، لا تهدف إلى الخلق أو الابتكار ولكن ببساطة إلى الحفاظ على الذات.
الإنسان الأعلى، المتوفر على مجموعة من الدوافع المتراتبة، تكون لديه إرادة قوة مبدعة: فهو لا يهدف فقط إلى الحفاظ على حياته ولكن أيضا إلى الإبداع. الإنسان المتواضع ذو دوافع غير منظمة يرنو فقط إلى الحفاظ على ذاته.
إلى حدود زمن نيتشه، كانت هناك ثلاثة مواقف فلسفية متمايزة في الفلسفة. الموقف الأول تبناه المثاليون، الذين يعتبرون الواقع روحانيا بحتا (كل شيء هو روح فقط)، وبالتالي يتم تفسيره بعلم النفس – دراسة النفس.
الموقف الثاني تبناه الماديون، الذين لا يكون الواقع بالنسبة لهم إلا جسدا (Deus sive natura … هذا يعني شيئا للمربعات الثنائية!) وبالتالي لشرح ذلك يجب علينا تحديد القوانين التي تحكم الواقع.
وأخيرا، هناك المثاليون الذين يعتبرون أن هناك واقعا ظواهريا (يتكون فقط من الجسد ويمكن تفسيره بواسطة قوانين الطبيعة) وواقع في ذاته (يتكون فقط من الروح وقابل لأن يفسر بعلم النفس).
هكذا يبدو أن لكل من هذه العوالم، هناك تفسير واحد فقط: إما جسدي أو نفسي. من ناحية أخرى، يشرح نيتشه أن كليهما صالح، لعالم يراه مكونا من أجساد. إنه يضع حداً للموقف الاختزالي الذي يتمثل في تفسير الواقع بعلم ما: إذا كان بإمكان العديد من العلوم تفسير الواقع، فهذا يعني أن مفهوم الحقيقة يفقد كل معناه.
العلوم (علم النفس وعلم وظائف الأعضاء) تقدم فقط وجهة نظر حول الواقع، إنه فقط تحول وفوضى: إنه لا يفسر، ولكن يؤول فقط.
تتكون أجسادنا من عدد كبير من النفوس، من الدوافع التي تؤول العالم. هذا التأويل للعالم، هو إرادة القوة التي تدركه لأنه يتم التعبير عنه بهذه المجموعة من الدوافع. إرادة القوة أو تأويل العالم تعني نفس الشيء.
هناك نوعان من إرادة القوة، حسب الكيفية التي تنظم بها الدوافع في الجسم. عندما تكون الدوافع متراتبة على نحو هرمي داخل الجسم، وعندما يهيمن الأقوى على الأضعف، فإن إرادة القوة تتصاعد: فهي تسمح للحياة بالازدهار. يمتلك الخارقون هذا النوع من إرادة القوة.
من ناحية أخرى، في الحالات المتواضعة، تكون الدوافع منحلة: لا توجد أرستقراطية من الغرائز في أجسادهم، وبالتالي فإن إرادة القوة تكون منحلة، فهي تهدف فقط إلى الحفاظ على الحياة وليس تمجيدها.
والآن تعالوا معي لنلقي مزيدا من الضوء على الفرق بين الروح عند نيتشه، وبين الروح في التقليد الفلسفي.
أكيد أننا لسنا أمام نفس الروح في كلتا الحالتين! في التقليد الفلسفي والمسيحي والأفلاطوني، الروح والجسد هما كيانان متمايزان: هناك العالم المادي، فيه يتطور الجسد الذي يتعارض مع العالم الروحاني- عالم الأرواح، الذي توجد فيه الروح. لذلك فهما عالمان متمايزان، حيث تكون الروح جوهرا روحيا.
عند نيتشه، التمييز بين العالم الروحي والعالم المادي غير موجود. بالنسبة له، لا يوجد سوى العالم المادي، المكون حصريا من دوافع، وبالتالي من أجساد. كل دافع هو روح تحدد إرادة القوة، أي مبدأ حركة الدوافع. كل الدوافع لها روح (أي إرادة قوة) تدفعها إلى الرغبة في زيادة قوتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى