تنوير -متابعة
الرباط – أصدر الائتلاف المغربي لهيآت حقوق الإنسان، عبر كتابته التنفيذية، بيانًا عبّر فيه عن قلقه البالغ إزاء ما وصفه بتفاقم التراجعات الحقوقية في المغرب، منتقدًا ما اعتبره اعتمادًا مفرطًا للمقاربة الأمنية في التعاطي مع المطالب الاجتماعية والاحتجاجات السلمية، ومطالبًا باحترام الحقوق والحريات المضمونة دستوريًا ودوليًا.
وقال الائتلاف إن الوضع الحقوقي الراهن يشهد، بحسب تعبيره، “تراجعات خطيرة” تمس عددًا من الحقوق والحريات الأساسية، في تناقض مع الخطاب الرسمي المعلن بشأن احترام حقوق الإنسان، ومع مقتضيات دستور 2011، خاصة ما يتعلق بالباب الثاني الخاص بالحريات والحقوق الأساسية، فضلًا عن الالتزامات الدولية للمغرب بموجب الاتفاقيات والعهود ذات الصلة.
وأشار البيان إلى أن هذه التراجعات تتجلى، وفقًا لرؤية الائتلاف، في عدة مستويات، من بينها المساس بالحق في التنظيم، من خلال استمرار عدد من السلطات المحلية، بحسب البيان، في الامتناع عن تسليم وصولات الإيداع القانونية لعدد من الهيئات عند التأسيس أو تجديد مكاتبها، وهو ما اعتبره الائتلاف تضييقًا ممنهجًا على عمل تنظيمات سياسية ونقابية وحقوقية ونسائية وشبابية وجمعوية.
كما توقف البيان عند ما وصفه بالمساس بالحق في التظاهر السلمي، مستحضرًا ما قال إنها محاكمات طالت مئات الشباب، بمن فيهم قاصرون، على خلفية مشاركتهم في احتجاجات مرتبطة بمطالب اجتماعية، خاصة ما أشار إليه باسم “حراك شباب جيل Z”، معتبرًا أن هذه المتابعات تعكس، بحسب تعبيره، نزعة نحو تجريم الاحتجاج بدل الاستجابة للمطالب المطروحة.
وفي ما يتعلق بحرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والحقوق النقابية، تحدث الائتلاف عن استمرار متابعات قضائية طالت صحفيين ومدونين ومدافعين عن حقوق الإنسان وناشطين سياسيين وطلابيّين، على خلفية آرائهم أو أنشطتهم، مستعرضًا عددًا من الأسماء والحالات التي قال إنها تعكس نمطًا من التضييق والاستهداف بسبب التعبير عن الرأي أو الانخراط في قضايا الشأن العام.
ولم يغفل البيان، أيضًا، ما اعتبره تضييقًا على المبلغين عن الفساد وناهبي المال العام، مشيرًا إلى متابعات وأحكام صدرت في حق نشطاء حقوقيين وسياسيين قال إنهم انخرطوا في فضح اختلالات مرتبطة بتدبير المال العام أو الفساد المحلي.
وفي الجانب القضائي، سجل الائتلاف ما وصفه بتنامي التظلمات المرتبطة بالمحاكمات، منتقدًا، بحسب ما ورد في البيان، اختلالات تمس شروط المحاكمة العادلة، من قبيل احترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع واستقلال القضاء والمساواة أمام القانون، مع إيلاء عناية خاصة بحقوق النساء والأحداث.
كما عبّر الائتلاف عن رفضه لعدد من الاختيارات التشريعية التي اعتبر أنها تمس جوهر الحقوق والحريات، من بينها سحب مشروع قانون تجريم الإثراء غير المشروع، وسحب مشروع قانون احتلال الملك العمومي، إضافة إلى انتقاده لمقتضيات واردة في القانون 23-03 المتعلق بالمسطرة الجنائية، والتي يرى أنها تحد من إمكانية لجوء المجتمع المدني إلى القضاء في قضايا تتعلق بالمال العام. وتوقف البيان أيضًا عند مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة، معتبرًا أنه يهدد استقلال المهنة ويؤثر على الحق في عدالة مستقلة.
وسجل الائتلاف استمرار عدد من الحراكات الاجتماعية التي قال إنها تواجه بالتجاهل والتسويف، من بينها حراك شغيلة شركة “سيكوم/سيكوميك” بمكناس، وحراك واحة فكيك، واحتجاجات ضحايا زلزال الحوز، والاحتجاجات المرتبطة بعمليات الهدم في عدد من المدن، فضلًا عن المناطق المتضررة من الفيضانات الأخيرة.
وفي ختام بيانه، أعلن الائتلاف المغربي لهيآت حقوق الإنسان جملة من المواقف والمطالب، أبرزها التنديد الشديد بما وصفه بالإفراط في اعتماد المقاربة الأمنية في مواجهة المطالب الاجتماعية والاحتجاجات، والتضامن مع مختلف ضحايا السياسات العمومية والحراكات الاجتماعية، والتنبيه إلى أن استمرار “سياسة القبضة الأمنية” لن يؤدي، بحسب تعبيره، إلا إلى مزيد من الاحتقان.
كما دعا الائتلاف إلى الإفراج عن معتقلي الاحتجاجات وملفات الرأي والتعبير، ووقف المتابعات المرتبطة بالعمل النقابي والحق في السكن والدفاع عن حقوق الإنسان وفضح الفساد، مطالبًا في الآن نفسه باتخاذ إجراءات عاجلة للحد من تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، عبر كبح ارتفاع الأسعار وتفعيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
وانتقد البيان كذلك ما وصفه بهيمنة السلطة على الإعلام العمومي، معتبرًا أن هذا الأخير لا يعكس، بالشكل المطلوب، تعقيدات القضايا المجتمعية ولا يضمن حق الرأي العام في الوصول إلى المعلومة الدقيقة والشفافة، خصوصًا في ملفات الماء والزلزال والفيضانات.
وختم الائتلاف بيانه بالدعوة إلى رص صفوف القوى السياسية والنقابية والحقوقية والنسائية والشبابية والجمعوية من أجل التصدي لكل السياسات التي تستهدف، بحسب وصفه، تقويض الحقوق والحريات، كما جدّد إشادته بنضالات المرأة المغربية من أجل إقرار قوانين عادلة ومنصفة تكفل حقوقها كاملة.
وصدر البيان من الرباط بتاريخ 10 مارس 2026، ووقعته الكتابة التنفيذية للائتلاف المغربي لهيآت حقوق الإنسان، الذي يضم عددًا من الهيئات الحقوقية والمهنية والمدنية، من بينها جمعيات حقوقية معروفة، وهيئات للمحامين، ومرصدات تعنى بالحريات العامة، ومكافحة الفساد، واستقلال القضاء، وحقوق السجناء، وحرية الإعلام والتعبير.