الحنبلي عزيز
أعادت التصريحات الأخيرة المنسوبة إلى تشافي هرنانديز، والتي أكدت تقارير صحافية أنه كان ضمن الأسماء المطروحة لقيادة المنتخب المغربي، فتح نقاش واسع حول الطريقة التي يُدار بها ملف العارضة التقنية لـ“أسود الأطلس” بعد رحيل وليد الركراكي. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط باسم المدرب المقبل، بل أصبحت تمس أيضا أسلوب التواصل مع الرأي العام الوطني، وحدود الشفافية في واحدة من أكثر الملفات حساسية داخل الكرة المغربية.
الوقائع المتوفرة تؤكد أن المرحلة الأخيرة شهدت تحولا سريعا ومفصليا؛ إذ أعلن وليد الركراكي، يوم 5 مارس 2026، رحيله عن تدريب المنتخب المغربي، مبررا قراره بحاجة المجموعة إلى “رؤية جديدة” و”طاقة مختلفة”، قبل أن يتم في اليوم نفسه الإعلان عن تعيين محمد وهبي مدربا جديدا للمنتخب الأول. كما قدم الاتحاد الإفريقي لكرة القدم هذا التعيين باعتباره بداية “مرحلة جديدة” واختيارا ينسجم مع توجه يرمي إلى ربط منتخبات الفئات السنية بالفريق الأول، مع الإقرار بأن الوقت المتبقي قبل كأس العالم 2026 يترك هامشا ضيقا جدا للتجريب وإعادة البناء.
في هذا السياق بالذات، تبدو فرضية التعاقد مع اسم كبير من حجم تشافي منطقية على مستوى الجاذبية الرمزية، لكنها تصطدم بواقع الزمن الكروي القصير. فالتقارير التي تناولت الملف أكدت أن المدرب الإسباني كان من بين المرشحين، غير أنه كان يفضل الانطلاق في مشروع من الصفر، لا الدخول قبل أشهر قليلة فقط من كأس العالم في مجموعة تشكلت ملامحها سلفا. وهنا بالضبط يبرز جوهر الإشكال: هل كانت الجامعة تبحث عن مدرب صاحب مشروع طويل المدى، أم عن اسم قادر فقط على عبور المرحلة بأقل قدر من الارتباك؟
غير أن ما زاد من حدة الجدل ليس فقط تداول أسماء أجنبية وازنة، بل التناقض الذي رافق الخطاب الرسمي نفسه. فخلال الأسابيع التي سبقت الحسم، صدرت تقارير عن نفي متكرر من الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لما راج بشأن تغيير المدرب أو وجود تحركات لتعيين اسم جديد، حتى إن بعض التغطيات تحدثت عن “نفي ثالث” في خضم الشائعات المتصاعدة. لكن عودة تقارير دولية وصحف رياضية للحديث عن وجود اتصالات فعلية مع أسماء مثل تشافي جعلت فئة واسعة من المتابعين تعتبر أن أزمة الملف لم تكن تقنية فقط، بل تواصلية أيضا.
هذا التضارب ألقى بظلاله على علاقة الجامعة بالإعلام الوطني، الذي وجد نفسه في أكثر من مناسبة أمام روايتين متعارضتين: رواية رسمية تنفي، ورواية صحافية خارجية تؤكد أن اتصالات وُجدت بالفعل. وفي مثل هذه الملفات، لا تكون المشكلة في التشاور مع مدربين متعددين، فذلك أمر طبيعي في عالم كرة القدم، بل في غياب خطاب واضح يشرح للرأي العام طبيعة المرحلة، ومعايير الاختيار، وحدود ما هو تفاوضي وما هو مجرد جس نبض. حين تغيب هذه الشفافية، تفسح المؤسسة المجال لتأويلات كثيرة، وتتحول القرارات إلى مادة للريبة بدل أن تكون موضوعا للنقاش الرياضي الرصين.
من هنا، يمكن فهم تعيين محمد وهبي باعتباره اختيارا ينسجم مع منطق “المرحلة الانتقالية” أكثر مما يندرج ضمن ثورة تقنية شاملة. فالرجل يعرف الكرة المغربية من الداخل، واشتغل مع الفئات السنية، ويملك معرفة مسبقة بجزء من المواهب الصاعدة، وهو ما يمنح الجامعة حلا أقل كلفة زمنيا وأكثر انسجاما مع إكراهات الاستحقاق العالمي القريب. لكن هذا الاختيار، حتى لو كان منطقيا تقنيا، لا يعفي المؤسسة من واجب المصارحة: هل نحن أمام مشروع جديد فعلا، أم أمام تدبير استعجالي لمرحلة حساسة عنوانها الأبرز تحقيق نتائج سريعة وحماية التوازن قبل مونديال 2026؟
في النهاية، يبدو أن أزمة المنتخب المغربي اليوم ليست أزمة أسماء بقدر ما هي أزمة سردية رسمية. الجمهور المغربي لم يعد يكتفي بمعرفة من دُرب ومن رحل، بل يريد أن يفهم لماذا وقع الاختيار، وكيف اتُّخذ القرار، وما إذا كان الأمر جزءا من رؤية بعيدة المدى أو مجرد رد فعل على ضغط اللحظة. وبينما يقترب موعد كأس العالم بسرعة، يبقى الرهان الحقيقي أمام جامعة الكرة ليس فقط في إعداد منتخب قادر على المنافسة، بل أيضا في استعادة الثقة عبر تواصل واضح، محترم، وصادق مع الإعلام الوطني والجمهور على حد سواء