وجهة نظر

عدد 17 ضمن هندسة العمر – أحمد الخمسي

  عدد 17 الأول

     عدد 17 يعود بيَ إلى ثلاث لحظات في حياتي الشخصية: 17 رقم منزلنا الذي ترعرت فيه، وفيه خضت اختبارات الأيام والأرقام.

منزلنا الذي زرته بعد خروجي من السجن، فوجدت أعداد جريدة 23 مارس السرية ما زالت محتمية وراء صورة الراحل محمد الخامس المعلقة في الغرفة حيث

كنت أراجع دروسي، الغرفة حيث بدأت أهندس نضالاتي ولم أبلغ بعد العشرين سنة، لأنني رحلت إلى الرباط لأدرس في كلية الحقوق وأنا ابن 19 سنة.

في منزلنا تدربت على قراءة جريدة العلم التي كان يرميها أبي بعد دخوله من رفقة أصدقائه، كان -ربما- يعينني على التعود على دمج التنشئة الأسرية الأولى بالتنشئة السياسية المعتدلة لحزب الاستقلال، وقد كان متعاطفا معه منذ ما قبل الاستقلال. بحيث فقد منصبه (سائق قايد قبائل رهونة واهل سريف ووو)، ولما رفض القائد التوقيع على عريضة فرنسا لنفي محمد بن يوسف، فقد منصبه وفقد الوالد بالتالي مهنة سائق القايد…

مع بلوغ سياسة الحكم الفردي المطلق الباب المسدود بالانقلابين (1971- 1972) تتويجا مأساويا لحالة الاستثناء(1965- 1970)، بدأ برنامج “التحرير” الأسبوعي من إذاعة ليبيا، يذكي الغاضبين من أمثالي المراهقين. لم أعدم كيفية إرسال رسالة حول وزان لفضح معمر فرنسي، نسيت سلطة الاستقلال (بعد 1956)، أنه (مسيو كونط)، من بين المحرضين على نفي محمد بن يوسف، يجمع توقيعات الخونة.

كانت رسالتي التي تليت في برنامج “التحرير” (إذاعة طرابلس) ذات ليلة خميس سنة 1973، عبارة عن تقرير بصدد مسيو كونط الذي منح مقلعا بمنطقة مصمودة (لاغار الطيارة، كما كنا نسميه بوزان).

إذن لرقم 17 نكهة خاصة في وعيي الوطني الديمقراطي حتى أكتوبر 1973، يوم غادرت إلى الرباط. رقم 17، جمع بين وعيي السياسي وبين محمد الخامس وبين شهداء الاستقلال الوطني وشهداء دمقرطة النظام السياسي.

لم أنتم لمنظمة 23 مارس السرية خالطا بين السيادة والسياسة في وعيي الشخصي النابع من التنشئة الأسرية… الخلط كان وما زال لدى السياسيين الوطنيين من قبل، بسبب الصراع على السلطة بين من تبقى بعد رحيل أب الأمة محمد الخامس. لم أحتفظ بذاك الحظ الذي جعل جريدة 23 مارس تلوذ في منزلنا، بحماية محمد الخامس… عبثا.

فالأب الذي وضعني في تلك الغرفة، هو من علق صورة محمد الخامس في نفس المكان حيث أقيم لوحدي. وداخل تلك الغرفة كنت أجد جريدة العلم ومنها أخذت المعلومة حول عنوان أبلغ رسالتي إلى مقر برنامج التحرير.

يمكن للمناضل إبراهيم أوشلح أن يتذكر من أي مكان وصلتهم في البرنامج رسالة تتحدث عن المعمر مسيو كونط. كان سني ساعتها يمر من 18 إلى 19 عاما. في تلك، كل الشباب يمر بحماس مفرط السخونة. يذكر الراحل الحسن الثاني أنه ذات يوم بسبب سوء تصرف الجينيرال جوان في حق العائلة الملكية بمجرد قدومه مقيما عاما، حمل مسدسا وقرار قتل المقيم العام. هكذا هم المغاربة لا يقبلون المس بالكرامة.  

***

عدد 17 الثاني

عندما ذكرت في مقال سابق أنني اعتقلت في الرباط يوم 13 مارس، فالملف الذي كنت ضمنه لدى الأجهزة كان موجودا بمراكش، لذلك، تم جمع الطلبة اليساريين المعتقلين (5) بالرباط والذين لهم نفس الارتباط بنفس ملف مراكش، لذا دخلنا خمس طلبة، مراكش يوم 17 مارس. فالاعتقال بالرباط صادف يوم الخميس، بينما الترحيل إلى مراكش صادف بدء الأسبوع الموالي يوم الإثنين 17 مارس 1975.

وبالتالي، استضافتنا مراكش في هذا اليوم العجيب الذي ذكرني برقم منزلنا الأول 17 في وزان..من ساعتها أصبحت مراكش منزل أسرتي الثانية منظمة 23 مارس. علما أن مركز الشرطة بجامع الفنا، ضم ساعتها مناصلين ثلاثة من إلى الأمام، المهندس شكيب، والراحل عبد الجبار حسون، والرائع حسين الطوكي، الذي ترجم فيما بعد كتيب الراحل عبد الله زعزاع.

كانت وجدتني في مراكش ضمن رفقة ساعدتني في رفع المعنويات بعد كل حصة تعذيب، ونجحت بفضل الحسين الطوكي وعبد الجبار حسون على حفظ سرية منظمة 23 مارس، بحيث لم يجد ضباط التعذيب ما يأخذونه من فمي كلاما غير أنني مناضل في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، فصيغ التقرير متوازنا دون البوح بالاسم الذي كنت أعذب قصد إعطائه للبوليس، وقد أصبح بعد ذلك مفتشا للغة الفرنسية وتمكنت من إخراج رسالة إلى المعني بالأمر في حالة اعتقاله أن لا علاقة له بمنظمة 23 مارس. أما المسكين الذي قهره التعذيب وأعطى اسمي وأتى به البوليس في المقابلة ليحرجني أمامهم أنني فعلا أعرف شخصا ثالثا، فقد اعترف بذلك أمامي، لتبق الكورة في شباكي. لكنهم جميعا، خسئوا…من أساليب البوليس ساعتها توجيه سهم التعذيب النفسي إلى الهوية المناطقية. بحيث توجه الضابط الذي يرأس فرقة التعذيب بعبارة بمخارج الحروف المراكشية= اعطيو لأمه، جبلي…وكّال البيصارة…راسو قاصح …ما يليق به غير التعذيب…

لم يعلم أنه توجه فيّ تلك اللحظة إلى النخاع الشوكي في كرامتي الشخصية… فوضع مهماز تعذيبه في أعمق عرق من جهازي العصبي وذكرني بالشهداء من أجل عودة محمد الخامس، وتذكرت الجريدة وراء صورة الملك، فامتلأتُ معنويات رفيعة مرتفعة، وتساءلت مع نفسي: هل أنا أقل قدرة على العطاء لبلدي من الذين أفدوه بأرواحهم؟… وصغت مع نفسي معادلة شيكسبير= “أن أكون، أو لا أكون”. من تمّ خسر رئيس فرقة التعذيب رهانه معي. وأصبح جهده القمعي معي يساوي  Nul mot+0 donnée=0. تذكرت مسيو كونط المعمر المستغل لعمال المقلع بمصمودة.

***

عدد 17 الثالث

لقد مر اعتقالنا خلال سنوات الرصاص وفق هندسة الكوميديا الإلهية لدانتي أليغييري، بحيث يبدأ الجحيم ثم المطهر وأخيرا الجنة. كان هدف النظام من حملة اعتقالات يسار السبعينات بهدف الاجتثاث التام لليسار، بناء على خطاب للراحل الحسن الثاني. وثلاثية مراكش ثم درب الشريف وأخيرا السجن، سجلت لدى معتقلي اليسار حينئذ لما وجدوا أنفسهم أخيرا في ظروف زيارة المحامين والعائلات والفسحة اليومية في ساحة حيث زرقة السماء بمثابة الجنة مقارنة مع جهنم الدرب.

ولنقض أطروحة الاجتثاث، اعتبرنا السجن ساعتها ساحة تنظيمية سياسية ونضالية بالتالي. لم يكن وجودنا بالسجن مجرد اعتقال أخير، بل بدأ النقاش كي نسمع الرأي العام الوطني والدولي. أتحدث هنا عن موقف عام للمعتقلين وعن قناعة شخصية بسيطة معتدلة ومصممة، ليس فيها لا سجال ضد الدولة ولا رائحة ندم على النضال السياسي غير القابل للتصرف كحق بسيط.

أتذكر أن التجذر الغاضب وما يقابله من الوجه الثاني لنفس العملة من ندم وخوف من الانتماء لليسار ما حلّق يوما فوق مخيلتي وإدراكي البسيط كمغربي له موقف اعتراض الحكم الفردي المطلق. خصوصا وقد سبق للنظام أن قام ضمنا بنقد ذاتي وأدخل القضية الوطنية الترابية على رأس جدول الأعمال. كما أن اعتقالي جاء بعد المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي في يناير 1975. مما جعل نفسيتي مختلفة عن التوتر النفسي الذي وسم العلاقة بين يسار السبعينات عموما وبين النظام. ثم كانت تجربة لقاء مع امحمد ادويري القائد الاستقلالي، ولاحظت العنف اللغوي الذي كانت تستعمله قيادة الحركة الوطنية، بينما الطالب في كلية الحقوق، الصفة التي لزمتني عند اعتقالي، تركت لدي مسافة مع الأسلوب السجالي المتبع، واعتبرت نفسي في حل من “نفسية الغضب في السياسة”.

كان ديدني فك العلاقة بين الموقف وبين احترام الخصم، كما أصبح يردده الرياضيون على ألسنة المدربين مع كل مباراة.

يعلم أصدقائي في اليسار اليوم كما البارحة أنني سعيد بنضالي غير قلق للثمن الذي دفعته وأدفعه وسأدفعه، لأن ضميري سياسي مطمئن، واحترامي لإنسانية الآخرين، ما استطعت إلى ذلك سبيلا.

فلا سياسة صلبة بلا هدوء ولا سياسة صائبة مع الغضب.

اضطررت للعودة إلى هذه الأبجديات، لأطرح كيف التزمت الابتسام والهدوء داخل السجن، مقابل أن أصمم على أكون أبقى مناضلا يساهم بصمت وتصميم في التحضير لمعارك الإضراب عن الطعام. في هذا الجو، كان تكتيك مراكمة التجربة في النضال من داخل السجن، بالنظر دائما إلى أن سلوك موظفي المؤسسة مهما قسا على المعتقلين فهم موظفون ينفذون مهامهم كموظفين. كان من بينهم المسمى “العود” صلفا خشنا، يسرق ألذ المأكولات من سلة الطعام التي ترسله العائلات. بينما أبا دودو أو بوشامة، مع اختلاف تصرفاتهم (بسجن اغبيلة) فهم معتدلون. كانوا يقدمون بعض الخدمات البسيطة في نقل الكتب والأكل فيما بين الزنازين. في خضم الإعداد للإضراب عن الطعام، التقط الحارس بوشامة رسالة في فوطة لي. فأخرجني من الزنزانة وأمرني بالمشي أمامه نحو الكاشو. دخلت الكاشو لكنه بعد لحظات كما لو أنبه ضميره كيف يضع في الكاشو هذا المعتقل الهادئ عادة؟ عندما جاء ثانية يهددني بالمكوث في الكاشو “حتى نتربى”…كان ردي بهدوء: تخيل السي بوشامة أن لك ابنا حركه ضميره ليناضل الظلم؟ صمت وأمرني بالخروج من الكاشو وأرجعني إلى رفاقي في الزنزانة.

لقد آمنت دائما أن على المناضل ألا يمارس مواقفه بعدة الغضب والحقد على أعوان السلطة، وعليه ألا يظلم أحدا باسم النضال، ولن يكون إلا الخير. شرط ألا يندم على مواقفه وأن يؤمن أن المواقف تقتضي دفع الفاتورة دائما.

     بهذه الروح تابعت مساهمتي في تنظيم الإضراب عن الطعام.

     وبعد الدخول في الإضراب الثالث (الأول = 3 أيام، الثاني= 10 أيام، الثالث= لا محدود)، دخلنا في مسلسل رمضان السياسي، وأعددنا له النكت والحكي عن الأفلام التي شاهدناها قبل الاعتقال (كان مصطفى مفتاح الحاكي الممتاز في هذه الفقرة من البرنامج الثقافي المنشط لجوع الإضراب عن الطعام)… في اليوم السابع عشر من الإضراب، فتح الحارس بوشامة باب الزنزانة ونادى على اسمي، ظننت أن أسلوب الكاشو سيتكرر لكسر إرادتنا واستحضرت معادلة شيكسبير (أكون أو لا أكون)، لكنه أوقفني بجانب رفاق آخرين، ولما استكمل رقم 10 من بين 79 معتقلا، اتجه بنا نحو الإدارة، دخلنا قاعة كبرى، انتظرنا قليلا عندما دخل جبيهة رحال ومحمد السريفي عن مجموعة 26. كانت الإدارة العامة قد استجابت لمطلبنا بصدد التفاوض لإنهاء الإضراب عن الطعام. كنا إذن 12 رفيقا يفاوضون باسم رفاقهم في ثلاث مجموعات: مجموعة عين برجة، ومجموعتا اغبيلة (26+79). تركنا الكلام نحن 12 لرفيقينا، اجبيهة رحال (23 مارس) والروبيو الطنجاوي (إلى الأمام)، هم من يفاوضون وفد الإدارة العامة للسجون: شعارنا كان= لا نقبل بالبقاء في حراسة نظية لا تنتهي، فإما المحاكمة أو إطلاق السراح.

     بعد 17 عشر يوما من الإضراب عن الطعام، تمت الاستجابة لمطلبنا. مكتنا شهرا في التغذية الاستثنائية لعلاج الجهاز الهضمي، وكنت من بين 105 الذين خرجوا من السجن… فلم يصل السجان إلى وسيلة إثبات في حقي، فالجريدة السرية بقيت في حمى محمد الخامس، لما خرجت وجدتها ملفوفة كما وضعتها أول مرة، وخيوط العنكبوت تحيط بها مثل واقعة البعثة النبوية عندما كان باب غار حيراء يظهر وقد لفته خيوط العنكبوت لتضليل مشركي قريش وهم يبحثون عن محمد بن عبد الله رفقة أبي بكر.

     بعد رقم 17 سوف تأتي مناسبة الحديث عن صدفة خروجنا من السجن (مجمموعة 105) يوم 7 دجمبر 1976؟ الذي يصادف تنصيب أول حكومة بعد رجوع محمد الخامس من المنفى سنة 1955، والذي يصادف الإعلان الرسمي عن أول دستور ممنوح في 7 دجمبر 1962.     

    

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى