ثقافة و فن
«دفن مؤجل»(Enterrement en sursis).. فيلم مغربي يعيد طرح سؤال الذاكرة والتعايش في زمن الانقسامات

عزيز الحنبلي-تنوير
يُعد فيلم «دفن مؤجل» (Enterrement en sursis) من أبرز الأعمال السينمائية المغربية الحديثة التي اختارت أن تلامس منطقة حساسة في الذاكرة الجماعية المغربية، من خلال معالجة فنية وإنسانية لقضايا الهوية والتعايش والوفاء والذاكرة المشتركة بين المسلمين واليهود بالمغرب.
الفيلم، الذي أخرجه الممثل والمخرج المغربي الكندي محمد المروازي في أول تجربة له في الإخراج السينمائي الطويل، لا يكتفي بسرد حكاية درامية، بل يتحول إلى تأمل سينمائي في معنى الانتماء، وفي العلاقة المعقدة بين الموت والذاكرة والمصالحة.
ينتمي محمد المروازي إلى جيل من الفنانين المغاربة الذين جمعوا بين التمثيل والإنتاج والإخراج. وهو خريج المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي بالرباط (ISADAC)، وبدأ مساره الفني منذ تسعينيات القرن الماضي قبل أن يشارك في مجموعة من الأفلام المغربية والدولية.
اشتغل ممثلاً في أعمال بارزة من بينها: «علي ربيعة والآخرون» لأحمد بولان، و**«القلوب المحترقة»** لأحمد المعنوني، و**«ذاكرة معتقلة»** لجيلالي فرحاتي، و**«ريح البحر»** لعبد الهادي العلاقي، إضافة إلى أعمال تلفزيونية وسينمائية متعددة داخل المغرب وخارجه. كما أنجز عدة أفلام قصيرة ووثائقية وتلفزية قبل انتقاله إلى إخراج أول فيلم روائي طويل له «دفن مؤجل».
ومن خلال تجربته الإبداعية، يمكن اعتبار المروازي قريباً من تيار السينما الإنسانية والواقعية الجديدة المغربية، وهي مدرسة تركز على الإنسان والذاكرة والأسئلة الاجتماعية والثقافية أكثر من اعتمادها على الفرجة التجارية أو السرد التقليدي. وتظهر في أعماله نزعة واضحة نحو استكشاف الهوية المغربية المتعددة والانشغال بقضايا الذاكرة والتعايش والكرامة الإنسانية.
تدور أحداث الفيلم في مدينة العرائش شمال المغرب، حيث يتم العثور على رجل مسن يدعى “شلومو” ميتاً داخل منزله في ظروف غامضة. لكن المفاجأة لا تكمن في وفاته، بل في ما تركه خلفه من إشارات متناقضة: مسبحة في يده ونسخة من القرآن إلى جانبه.
هذا المشهد البسيط ظاهرياً يخلق أزمة وجودية وقانونية ودينية: هل يجب دفن شلومو في المقبرة اليهودية أم في المقبرة الإسلامية؟
ومن هنا ينطلق الفيلم في بناء حبكة تجمع بين الكوميديا السوداء والدراما الإنسانية، حيث يعود ابنه “دافيد” من كندا لإتمام مراسم الدفن، بينما يعيش “عماد”، صديق شلومو القديم، صراعاً نفسياً بسبب شعوره بالذنب تجاه وفاة صديقه.
تكمن أهمية الفيلم في كونه يستحضر جانباً مهماً من التاريخ المغربي، يتمثل في التعايش التاريخي بين المسلمين واليهود داخل المجتمع المغربي.
اختار المخرج مدينة العرائش فضاءً للأحداث ليس اعتباطاً، بل لما تختزنه من رمزية تاريخية وثقافية. فالمدينة عرفت عبر قرون وجوداً متنوعاً لمكونات دينية وثقافية متعددة، كما أن وجود المقابر الإسلامية واليهودية والمسيحية في فضاء واحد يحيل إلى ذاكرة مغربية قائمة على التعدد والتسامح.
وفي زمن تتصاعد فيه النزاعات الهوياتية والدينية في العالم، يطرح الفيلم سؤالاً مركزياً: هل يمكن للذاكرة المشتركة أن تنتصر على الانقسام؟
لا يتوقف الفيلم عند مسألة الدفن باعتبارها قضية دينية فقط، بل يحولها إلى مدخل لمناقشة قضايا أعمق:
-
أزمة الهوية والانتماء.
-
العلاقة بين الذاكرة الفردية والجماعية.
-
التعايش بين الأديان والثقافات.
-
الوفاء للصداقة وللوعود القديمة.
-
المصالحة مع الماضي.
-
سؤال الموت باعتباره لحظة لكشف الحقيقة.
وهنا ينجح السيناريو في تحويل حادث بسيط إلى قضية إنسانية وفلسفية تتجاوز حدود المكان والزمان.
اعتمد الفيلم على سيناريو كتبه ياسين زيزي وعبد اللطيف الشوطة، بينما تولى ياسين زيزي كتابة الحوارات. ويتميز النص ببناء درامي متدرج يمزج بين الغموض والكوميديا والتأمل الإنساني.
قوة السيناريو تكمن في قدرته على إدارة التوتر دون الوقوع في المباشرة، إذ يجعل المشاهد يتنقل بين الضحك والتأمل والحزن، مع الحفاظ على خيط سردي متماسك حتى النهاية.
في أول تجربة طويلة له، أظهر محمد المروازي قدرة لافتة على التحكم في الإيقاع الدرامي وتوجيه الممثلين وبناء الفضاء السينمائي.
الإخراج لا يعتمد على الاستعراض البصري، بل يراهن على التفاصيل الإنسانية الصغيرة: النظرات، الصمت، الأزقة القديمة، والوجوه التي تحمل ذاكرة المكان.
ويبدو واضحاً أن المروازي اختار سينما قريبة من الإنسان، حيث تصبح الكاميرا شاهداً على المشاعر أكثر من كونها مجرد أداة للسرد.
تولى مدير التصوير وولفانغو ألفي مهمة التصوير، ونجح في تقديم العرائش كفضاء شعري بصري.
الكاميرا تتحرك بين الأزقة البيضاء والزرقاء للمدينة القديمة، وتلتقط الضوء الطبيعي بطريقة تجعل المكان جزءاً من الحكاية. وتمنح الصورة للفيلم بعداً جمالياً ينسجم مع موضوع الذاكرة والحنين والتعايش.
قام يوسف برادة بعملية المونتاج، حيث حافظ على توازن دقيق بين المشاهد الدرامية والكوميدية.
الإيقاع جاء هادئاً نسبياً، بما يسمح للمشاهد بالتفاعل مع الشخصيات وتطوراتها النفسية، دون السقوط في البطء أو التكرار.
يضم الفيلم أسماء وازنة أبرزها:
-
ميشال بوجناح.
-
رشيد بادوري.
-
نيف.
-
جمال اللبابسي.
-
ميساء مغربي.
-
عبد اللطيف لمباركي.

