متابعة سعيد حمان
في زمن يُفترض فيه أن تكون حرية التعبير ركيزة أساسية لأي مجتمع ديمقراطي، يطفو إلى السطح جدل جديد حول حرية الإبداع الفني، وهذه المرة من بوابة المخرج المغربي هشام العسري، صاحب فيلم “المطرود من رحمة الله”، الذي أعاد طرح سؤال قديم متجدد: هل أصبحنا فعلاً ضد حرية الإبداع؟
السينما، باعتبارها مرآة للمجتمع، لا تكتفي بنقل الواقع، بل تسعى أحيانًا إلى صدمه، استفزازه، وطرح أسئلة قد تكون غير مريحة. وهذا ما حاول العسري تقديمه من خلال أعماله، التي تخرج عن القوالب التقليدية وتلامس مناطق حساسة، سواء على المستوى الديني أو الاجتماعي أو السياسي.
غير أن هذا التوجه لم يمرّ دون ردود فعل قوية، حيث تعرّض المخرج لانتقادات حادة، وصلت في بعض الأحيان إلى المطالبة بتقييد أعماله أو منعها، بدعوى تجاوز الخطوط الحمراء. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل النقد حق مشروع أم أنه يتحول أحيانًا إلى أداة لتكميم الأفواه؟
حرية التعبير السينمائي ليست امتيازًا، بل حقّ يكفله الدستور، غير أنها تظلّ دائمًا في شدّ وجذب مع منظومة القيم السائدة داخل المجتمع. فبين من يرى في أعمال مثل “المطرود من رحمة الله” تعبيرًا فنّيًا مشروعًا عن الذات، ومن يعتبرها استفزازًا غير مبرّر، تتسع رقعة الخلاف.
المشكلة لا تكمن فقط في العمل الفني ذاته، بل في طريقة استقبالنا له. هل نواجهه بالنقاش والحوار، أم بالمنع والإقصاء؟ هل نخاف من الفكرة، أم من تأثيرها؟
إن تقييد الإبداع بدعوى الحفاظ على القيم قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، حيث يتحول الفن إلى نسخة باهتة خالية من الجرأة، بينما المجتمعات التي تحتضن الاختلاف هي التي تنتج فنًا حيًا وقادرًا على التطور.
في النهاية، يظلّ السؤال مفتوحًا:
هل نريد سينما تُرضي الجميع، أم سينما تُفكّر وتُقلق وتدفعنا لإعادة النظر في ذواتنا؟
الجواب ليس بسيطًا، لكنه يبدأ من الإيمان بأن حرية الإبداع لا تعني الاتفاق، بل تعني الحق في الاختلاف.