افتتاحية

فضيحة تهز السينما المغربية: اتهامات بفساد ممنهج ولوبيات تلتهم دعم المركز السينمائي

الحنبلي عزيز

تشهد الساحة السينمائية المغربية في الآونة الأخيرة حالة احتقان غير مسبوقة، بعد تداول رسالة موجهة إلى مدير المركز السينمائي المغربي، مرفقة بتحقيق استقصائي يكشف معطيات خطيرة حول ما يصفه مهنيون بوجود اختلالات عميقة داخل منظومة الدعم العمومي.

في هذه الرسالة، التي تعود إلى نهاية مارس 2026، عبّر عدد من المنتجين والمخرجين، داخل المغرب وخارجه، عن قلقهم من ممارسات يعتبرونها خروجاً عن قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص. وأشاروا إلى وجود شبهات حول توجيه الدعم لفائدة أطراف محددة، عبر علاقات ونفوذ داخل بعض الغرف المهنية، وهو ما أدى، حسب تعبيرهم، إلى فقدان الثقة في آليات منح التمويل العمومي.

التحقيق المرافق للرسالة يذهب أبعد من ذلك، حيث يتحدث عن تشكّل شبكة تأثير غير رسمية داخل القطاع، تضم فاعلين مهنيين لهم حضور قوي في هياكل التمثيلية السينمائية. ووفق شهادات متقاطعة، فإن هذه الشبكة يُشتبه في كونها تؤثر، بشكل مباشر أو غير مباشر، على مسار بعض المشاريع داخل لجان الدعم، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول استقلالية القرارات المتخذة.

ومن أبرز النقاط التي أثارت الجدل، ما كشف عنه التحقيق من أرقام تتعلق بتركيز الدعم في يد عدد محدود من شركات الإنتاج. فقد أظهرت المعطيات أن بعض الشركات استفادت من تمويلات متكررة خلال سنوات متتالية، بمبالغ كبيرة، وهو ما اعتبره عدد من المهنيين مؤشراً على وجود اختلال في توزيع الموارد، بعيداً عن مبدأ المنافسة المفتوحة القائمة على الجودة الفنية.

ولا يقف الأمر عند حدود التمويل، إذ يشير التحقيق إلى بروز أساليب ضغط جديدة داخل القطاع، من بينها توظيف منصات رقمية وإعلامية للتأثير على الفاعلين والمؤسسات. حيث يُتهم بعض الأطراف باستخدام مواقع إلكترونية متخصصة لنشر مواد تستهدف شخصيات أو مؤسسات، في سياق صراعات مهنية تتجاوز حدود المنافسة المشروعة، لتصل أحياناً إلى ما يشبه حملات الضغط الإعلامي المنظم.

في المقابل، انعكست هذه الأجواء على مناخ العمل داخل القطاع، إذ أصبح عدد من المهنيين، خاصة الشباب منهم، يشعرون بأن فرص الولوج إلى الدعم محدودة، أو مرتبطة بعوامل غير فنية. هذا الوضع دفع بعضهم إلى الانسحاب من المنافسة أو التفكير في البحث عن فرص خارج المغرب، ما قد يشكل خسارة حقيقية للكفاءات الوطنية.

ورغم خطورة هذه المعطيات، تؤكد مصادر من داخل المركز السينمائي المغربي أن المؤسسة تعمل وفق إطار قانوني واضح، وتسعى إلى ضمان الشفافية واستقلالية لجان الدعم. غير أن استمرار تداول مثل هذه الاتهامات داخل الأوساط المهنية يجعل الحاجة إلى فتح نقاش عمومي حول حكامة القطاع أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

في ظل هذا الوضع، يلوّح أصحاب الرسالة بخطوات تصعيدية، من بينها اللجوء إلى جهات عليا ومخاطبة وسائل الإعلام الوطنية والدولية، بهدف تسليط الضوء على ما يعتبرونه أزمة بنيوية تهدد مستقبل السينما المغربية.

في النهاية، تبدو السينما المغربية اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فبين الرغبة في تطوير صناعة ثقافية قادرة على المنافسة الدولية، وبين التحديات المرتبطة بالحكامة والشفافية، يبقى الرهان الأكبر هو استعادة الثقة، وضمان أن يظل الدعم العمومي أداة لخدمة الإبداع، لا مجالاً لصراعات النفوذ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى