رياضة

الصهيونية ترتبك أمام زياش: تدوينة فضحت منطق الاحتلال وأحرجت آلة التخويف

عزيز الحنبلي-تنوير

 لم تكن كلمات حكيم زياش مجرد منشور عابر على “إنستغرام”، بل كانت صفعة سياسية وإعلامية في وجه الخطاب الصهيوني الذي يريد للعالم أن يصمت، وأن يبتلع رواية الاحتلال بلا مساءلة. فحين علّق اللاعب المغربي على صورة إيتمار بن غفير المحتفي بإقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، لم يفعل أكثر من قول ما يرفض كثيرون قوله علنًا: إن هناك وحشية تُشرعن، وإن الجريمة تُقدَّم في ثوب “الدفاع عن النفس”. وقد بدأت هذه المواجهة علنًا بعد منشور زياش وردّ بن غفير عليه بوعيد مباشر واتهام جاهز بـ“معاداة السامية”.

ما كشفته هذه الواقعة ليس قوة وزير إسرائيلي متطرف، بل هشاشة المنظومة التي يمثلها. فسلطة تلجأ إلى التهديد فور أن تواجه رأيًا أخلاقيًا واضحًا، هي سلطة تعرف أن صورتها مهزوزة، وأن روايتها لم تعد تُقنع إلا من يريد أن يعمي عينيه عن الحقيقة. بن غفير لم يناقش مضمون الانتقاد، ولم يرد على فظاعة قانون الإعدام، بل استنفر الأسطوانة المستهلكة نفسها: تخوين، ترهيب، وابتزاز أخلاقي عبر تهمة جاهزة تُشهر كلما ارتفع صوت يفضح الاحتلال. هذا بالضبط هو منطق الصهيونية المتطرفة حين تعجز عن الدفاع عن أفعالها: تهرب إلى القمع الرمزي، وتحاول تحويل الجلاد إلى ضحية.

زياش، من جهته، لم يتراجع ولم يختبئ وراء لغة رمادية. في 8 أبريل 2026 رد بعبارة واضحة: “نحن لا نخاف الصهيونية”، ليرسل رسالة مزدوجة؛ الأولى إلى من ظنوا أن التهديد كافٍ لإسكات نجم جماهيري، والثانية إلى كل من يتعرض يوميًا للضغط بسبب موقفه من فلسطين: أن الصمت ليس قدرًا، وأن الشهرة لا تساوي شيئًا إن تحولت إلى قفص للصمت الأخلاقي. هذا الرد لم يرفع فقط منسوب التأييد الشعبي له، بل حوّله إلى عنوان لمواجهة رمزية بين ضمير إنساني واضح وآلة تخويف سياسية لا تتوقف عن مطاردة الأصوات الحرة.

اللافت أن التفاعل لم يبقَ محصورًا في دائرة المشجعين، بل امتد على نطاق واسع عبر المنصات، حيث رصدت التغطيات موجة تضامن كبيرة مع اللاعب المغربي، وسط إشادة بشجاعته وبقدرته على إحراج وزير إسرائيلي بكلمة واحدة. ويزداد أثر هذا الموقف حين نعرف أن زياش يتابعه نحو 11 مليون شخص على إنستغرام، ما يجعل كل كلمة تصدر عنه أبعد من مجرد رأي شخصي؛ إنها موقف يصل إلى رأي عام عابر للحدود، ويكسر الحصار الدعائي الذي تحاول إسرائيل فرضه على كل نقاش يتعلق بجرائمها وتشريعاتها القمعية.

الأهم من ذلك أن زياش لم يُترك وحده في هذه المواجهة. فقد خرجت هيئات حقوقية مغربية لتعتبر أن ما عبّر عنه يدخل في صميم حرية الرأي والتعبير، وأن التهديدات الصادرة بحقه تمثل استهدافًا مرفوضًا لشخصية عامة بسبب موقف سياسي وإنساني معلن. بعض هذه الهيئات دعا صراحة إلى تحرك دبلوماسي وقانوني لحماية اللاعب، فيما ذهبت منظمات أخرى إلى مراسلة جهات دولية للتنديد بما وصفته بترهيب غير مقبول وتحريض يطال مغربيًا عبّر عن رأيه في قضية عادلة.

هنا بالضبط تكمن قيمة ما فعله زياش: لأنه لم يكتفِ بتسجيل موقف، بل عرّى آلية صهيونية باتت مألوفة؛ كل صوت ينتقد الاحتلال يُراد له أن يُحاصر، وكل تضامن مع الأسرى أو مع فلسطين يُراد وصمه وتخويفه وتجريمه. لكن ما جرى هذه المرة انقلب على أصحابه. فبدل أن يُعزل زياش، اتسعت دائرة الالتفاف حوله. وبدل أن تُدفن كلماته تحت سيل الاتهامات، صارت عنوانًا لتجدد السؤال نفسه: لماذا ترتعب الصهيونية إلى هذا الحد من منشور؟ الجواب بسيط: لأن الكلمة حين تصدر من نجم محبوب وتصل إلى الملايين، تصبح أقوى من ماكينة الدعاية، وأخطر على الاحتلال من كل محاولاته لصناعة الصمت.

في النهاية، لم تُسقط تدوينة زياش قانونًا، ولم توقف آلة الاحتلال، لكنها فعلت شيئًا لا يقل أهمية: كشفت أن الصهيونية، رغم ما تملكه من نفوذ وصخب، ما تزال ترتبك أمام كلمة حق صريحة. وكشفت أيضًا أن اللاعب الذي يرفض أن يكون مجرد جسد يركض في الملعب، يستطيع أن يتحول إلى صوت يربك رواية كاملة. هكذا تحوّل زياش من نجم كروي إلى عنوان لمعركة رمزية أكبر: معركة بين خطاب يريد تبرير القتل، وصوت يصر على تسمية الأشياء بأسمائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى