لم يعد غياب التلاميذ عن الحصص الدراسية مجرد سلوك عرضي أو حالات معزولة، بل تحول إلى ظاهرة مقلقة تؤرق المؤسسات التعليمية وتطرح أكثر من علامة استفهام حول أدوار المدرسة ووظائفها ، فالأقسام التي كانت تعجّ بالحياة والحركة، أضحت في كثير من الأحيان شبه فارغة، وكأن المدرسة فقدت جاذبيتها وأصبحت كما لو أنها سجنا يهرب منه الجميع .
إن هذا الغياب الذي باث ملحوظا لا يعني بالضرورة انقطاع التلميذ عن التعلم، بل يعكس تحولًا في وجهته: من الفصل الدراسي الرسمي إلى فضاءات أخرى خارج المدرسة وعلى رأسها المراكز والمنازل ” الكاراجات” المخصصة لدروس الدعم المؤدى عنها.
هذه المفارقة تضع المدرسة في موقع مساءلة حقيقية: كيف لمؤسسة وُجدت أساسًا لبناء الإنسان وتكوين الأجيال أن تفقد قدرتها على استقطاب تلاميذها؟ ولماذا أصبح التلميذ يختار “الهامش” بدل “المركز”؟
بداية لابد أن نؤكد مسألة أساسية وهي أن دروس الدعم لا يمكن أن تعوض الدور التربوي والتعليمي، كما لا يمكن تؤدي الوظائف الجوهرية الضرورية للمدرسة كمؤسسة إيديولوجية، بل على العكس من ذلك تساهم في تكريس الأزمة التي يعانيها التعليم في المغرب.
ومادام أن موضوع مقالنا هذا، هو محاولة فهم هذا الهروب الجماعي للتلاميذ من المدرسة نحو فضاءات أخرى، فأنا سأحاول تفسير هذه الظاهرة من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة.
أولها تخلف النموذج المدرسي التقليدي الذي ما يزال قائمًا بالمغرب، هو نمودج ينبني على التلقين والانضباط الصارم، إنه نموذج اصبح متجاوزا لأن مدرسة القرن الواحد والعشرين تقوم على الحرية والابداع، وعلى والتربية المبنية على الكفايات . داخل النمودج التقليدي الذي مازال قائما، لا يشعر التلميذ بحريته ولا بفاعليته، بل يجد نفسه محاصرًا داخل نسق لا يعبّر عن طموحاته ولا يواكب تطلعاته، وهنا تبدأ أولى بوادر النفور.
ثانيًا، إن مشكل الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية، حيث يتكدس عدد كبير من التلاميذ في قسم واحد، يجعل التفاعل شبه منعدم، والاعتراف بالمتعلم أمرا صعب التحقق في هذا السياق، يصعب على الأستاذ تتبع الفروق الفردية، كما يفقد التلميذ فرصة المشاركة والتعلم الذاتي. ومع انتشار الشغب وغياب الانتباه، يتحول الفصل إلى فضاء غير محفّز، بل إلى سجن يسعى التلميذ إلى الانفكاك منه، ونحن كمدرسين نلاحظ هذا الاحساس لذى التلاميذ فمثلا لا يحترمون اوقات المخصصة للحصص الدراسية، يدق الجرس فتراهم يسترقون الدقائق هربا من الفصل الدراسي، وعند نهاية الحصة بمجرد مايدق الجرس يشرعون بجمع أدواتهم بطريقة لاشعورية، وهذه مفارقة تنم عن وضع نفسي، فتلامذتنا يكرهون المدرسة، فهم يجلسون في الأقسام مجبرين لا محبين .
يضاف إلى ذلك ثقل المقررات الدراسية وكثافتها، التي تجعل التعلم أشبه بسباق مرهق بدل أن يكون تجربة معرفية ممتعة. فالتلميذ يجد نفسه أمام كمّ هائل من الدروس ، دون وقت كافٍ للفهم أو الاستيعاب، فيلجأ إلى البحث عن بدائل تساعده على “فهم ما فاته” أو “تحصيل ما عجز عنه” داخل الفصل.
غير أن الأسباب لا تقف عند هذا الحد، بل تمتد إلى أبعاد نفسية عميقة، فالمدرسة في نظر عدد كبير من التلاميذ، تمثل مؤسسة للضبط والمراقبة أكثر مما تمثل فضاءً لتحقيق الذات، إنها بنية لا تمنحهم الإحساس بالانتماء، ولا تعترف بخصوصياتهم الفردية، مما يولد لديهم نوعًا من الاغتراب داخلها، فالتلميذ لا يجد نفسه في المدرسة، فيبحث عن ذاته خارجها.
في المقابل هذه الوضعية التي تعرفها المدرسة باعتبارها المؤسسة الرسمية للتربية والتعليم، او هكذا يفترض فيها أن تكون ، تعرف دروس الدعم المؤدى عنها إقبالًا متزايدًا، رغم افتقارها في كثير من الأحيان لشروط التعليم الجيد، المادية والتربوية، ويُفسَّر هذا الإقبال بعدة عوامل، أولها أن هذه الدروس توفر شرط العدد الأقل من التلاميذ داخل الفصل او القاعة ، مما يسمح بتفاعل أكبر وتواصل مباشر مع الأستاذ، كما أنها تقدم محتوى مبسطًا وموجّهًا نحو الامتحان رغم أن هذا التبسيط يكون أحيانا مبتدلا يؤثر على تحصيل التلاميذ، لكن التلميذ الذي يقبل هذا العرض يتوهم أنه هو الذي سيخلصه من الفشل وعدم النجاح في الامتحان، في ظل هذه الوضعية النفسية والضياع البيداغوجي الذي يعانيه التلاميذ، يبقى ممتهني هذه الساعات الإضافية من الأساتذة والطلبة هم الأكثر استفادة ماديا من هذه الوضعية، لكن الضحية هو التلميذ أولا والاباء والأمهات ثانيا.
إلى جانب ذلك، تحولت الساعات الإضافية إلى ظاهرة اجتماعية رائجة، بل إلى نوع من “الموضة التربوية”. فالتلميذ لم يعد يلجأ إليها فقط بدافع الحاجة، بل أيضًا بدافع التقليد ومجاراة الآخرين. وهنا يتحول التعلم إلى سلوك جماعي أكثر منه حاجة معرفية.
ولا يمكن إغفال جانب أكثر حساسية، يتمثل في الابتزاز غير المباشر الذي قد يتعرض له بعض التلاميذ، حيث يُربط النجاح أو الحصول على نقط جيدة بحضور دروس الدعم. في هذه الحالة، تفقد العملية التعليمية طابعها التربوي، وتتحول إلى علاقة مشروطة بالمقابل.
أخيرًا، تمثل هذه الدروس بالنسبة للبعض فضاءً بديلًا للتنفيس وممارسة قدر من الحرية خارج أسوار المدرسة، حيث يشعر التلميذ براحة أكبر، ويتحرر من القيود الرسمية، بل ويجد فرصة لبناء علاقات اجتماعية مختلفة.
خلاصة القول، إن غياب التلاميذ عن الحصص الدراسية داخل مؤسساتهم التعليمية الرسمية ليس مجرد سلوك فردي، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية تعيشها المدرسة. وإذا كانت دروس الدعم تقدم حلولًا جزئية، فإنها في العمق تكشف عن خلل أعمق: خلل في معنى المدرسة ووظيفتها. لذلك، فإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر إجراءات سطحية، بل تستدعي إعادة التفكير في المدرسة كفضاء للحرية، والإبداع وتحقيق الذات…