وجهة نظر

محمد لطفي: الطاهر بن جلون.. يا للخيبة!

ترجمة وتقديم: أحمد رباص
تقديم: نشر الصحفي المغربي محمد لطفي على صفحته الفيسبوكية الرسمية تدوينة بالفرنسية تحوز مواصفات مقالة اتخذت شكل مرافعة انتقد فيها تذبذبات الكاتب المغربي المقيم في الديار الفرنسية بين الإبداع والتزلف لذوي النفوذ في بلده الأصلي، ودافع فيها عن الدكتور المعطي منجب عندما وجد أن الكاتب زاغ عن الحق وتحامل على المؤرخ والحقوقي ليبدو في الصفوف الأولى للدفاع عمن يعتقد أنهم أولو نعمته.
ترجمة نص التدوينة/المقالة:
استغرق مني الأمر سنوات لأتقبل حقيقة بديهية كنت أتجاهلها باستمرار. لم تباغتني خيبة الأمل دفعة واحدة، بل تسللت إليّ تدريجيا عبر القراءة والشكوك والتناقضات. واليوم، باتت واضحة لا لبس فيها، جلية وبسيطة وحاسمة. أشعر بخيبة أمل عميقة تجاه طاهر بن جلون.
ها كاتب، كلما ابتعد عن الأدب، بدا وكأنه يتجه نحو دور أكثر غموضا وإبهاما، يكاد يكون إداريا، في نظرته إلى العالم.
لا أنكر قيمة أعمال الطاهر بن جلون. فهي موجودة، راسخة، مترجمة، حائزة على إشادة واسعة، وتُوّجت بجائزة غونكور عن روايته “الليلة المقدسة”. لقد تناولت مواضيع ثقيلة: الذاكرة، القمع، المنفى، وتصدعات الهوية. بل إنها لامست أحيانا أحلك زوايا المغرب، كما في قصصه المستوحاة من تازمامارت. لكن حتى في ذلك الحين، بدأت أصواتٌ تعلو مُنددةً بصمته السابق، الذي اعتُبر انتهازيا، بل ومُدبَّرا، حيال الوقائع نفسها التي استكشفها لاحقًا في أدبه.
بالنسبة إلي، كانت تلك مجرد شرارة أولى.
ثم جاء الخطاب العام. لم يعد مُصفّىً بوتيرة الرواية البطيئة، بل أُلقي في خضمّ اللحظة، في مقالات رأي وردود فعل. وهنا يبرز التناقض جليًا.
في نصوصه المنشورة، ولا سيما على موقع إخباري (مغربي فرنكوفوني)، يتخذ الكاتب موقفا مُفاجئا. ليس بسبب آرائه، التي له حرية التعبير عنها، بل بسبب نبرتها. إنها طريقةٌ لبذل جهدٍ إضافي في الدفاع الضمني أو الصريح عن النظام القائم، كما لو أن السلطات وجدت فيه حليفا مُتحمسا، بل وأحيانا أكثر حماسا من اللازم. أكثر ولاءً للملكية من الملك نفسه.
يتعزز هذا الانطباع عند ملاحظة مواقفه من القضايا الحساسة. خذ القضية الفلسطينية، على سبيل المثال. في مقالٍ له، يُصرّ على التمييز بوضوح بين الشعب الفلسطيني وحماس، مُثيرا ردود فعلٍ عديدة وقوية. ليس في ذلك ما يُثير الاستياء بحد ذاته، لكنّ نبرته تُثير تساؤلات. فهي تُوحي بمحاولةٍ مُتكلّفة، بل مُقلقة، لموازنة الأمور، وكأنّ كلّ كلمةٍ يجب تبريرها أمام محكمةٍ خفية.
ومع ذلك، في سياقاتٍ أخرى، يُمكن للرجل نفسه أن يصف الأعمال الإسرائيلية في غزة بالإبادة الجماعية، وأن يتحدث عن رغبةٍ في القضاء على الفلسطينيين. هل هو تناقضٌ أم محاولةٌ لموازنة الأمور؟ ربما كلاهما. وكأنّ الكاتب يتأرجح بين الجرأة اللفظية والحكمة الاستراتيجية، بين الإدانة والحذر.
هذا التأرجح ليس حياديًا. فهو يُوحي بخطابٍ يسعى إلى شكلٍ من أشكال التوازن المقبول أكثر من سعيه وراء الحقيقة. وهنا ينشأ الشك. ليس شكا في وجود أيديولوجيةٍ واضحة، بل في التكيّف المُستمر. خطابٌ يُعدّل وفقا للسياق، والجمهور، أو ربما التوقعات الضمنية لبيئةٍ سياسيةٍ وإعلاميةٍ مُعيّنة.
ثمّة أوقاتٌ يتلاشى فيها هذا الحذر، حين يُطلق الكاتب، دون معرفةٍ حقيقيةٍ بموضوعه، أحكامه. تُعدّ قضية المعطي منجب مثالًا صارخًا على ذلك.
وأخيرا، من نتحدث عنه؟ بالتأكيد ليس شخصيةً هامشيةً يُمكن مهاجمتها دون عقاب. منجب مؤرخٌ مرموق، وأستاذٌ في جامعة محمد الخامس، مشهورٌ بعمله والتزامه بحرية التعبير. ساهم في تدريب الصحفيين، ودعم الصحافة المستقلة، وتوثيق التطورات السياسية في المغرب بدقةٍ أكسبته احتراما كبيرا، كما أكسبته عداءً شديدًا.
إنّ هذه الصراحة تحديدًا هي التي وضعته في مرمى نيران السلطات. لسنواتٍ، كان هدفًا للملاحقات القضائية المتكررة، والاعتقالات، وفترات السجن، والقيود المالية والإدارية. لم تسلم عائلته من ذلك. ورغم العفو الجزئي، لم يختفِ الضغط، بل تحوّل إلى ضغوطٍ متزايدة. حظرٌ على السفر، ومنعٌ من قبول الدعوات الأكاديمية، وتهميشٌ تدريجي.
بعبارةٍ أخرى، مُثقّفٌ مُعرّضٌ للخطر، ضعيفٌ، لكنه ما زال صامدا.
هذا هو الرجل الذي اختار الطاهر بن جلون مهاجمته، معترفا بأنه لا يعرفه حقا. وكأن البُعد أصبح ترفا. وكأن الجهل لم يعد عائقا بل مجرد تفصيل.

في نهاية المطاف، لم يُجبر بن جلون على الدخول في هذا الصراع. لم يُرغمه شيء على التعليق على كل أزمة، أو توجيه المديح واللوم، أو نصب نفسه حكما في النزاعات السياسية. كان لديه بالفعل مجاله الخاص: الرواية. مساحةٌ وصل فيها صوته، وأضاء فيها، ولامس فيها وترا حساسا.
فلماذا إذًا هذا الإصرار على التدخل في أماكن أخرى؟ لماذا هذه الحاجة إلى الظهور في نقاشات تتطلب أكثر من مجرد أسلوب؟ الدقة، الاتساق، وأخلاقيات معينة في الكلام.
يبدو لي الجواب واضحا. الظهور، والتأثير، ونعم، أحيانًا، المصالح المادية. ليس الهدف هنا إثبات صفقة، بل ملاحظة تحول. تحول كاتب يبدو أنه استبدل بعض معاييره الدقيقة بحضور إعلامي أكثر راحة.
ثمة شيءٌ يكاد يكون مأساويا في هذا التطور. وكأن الكاتب قد تخلى عن تعقيد الرواية لصالح بساطة المواقف. وكأن الأدب، بما فيه من غموضٍ مثمر، قد استُبدل بخطابٍ أكثر مباشرةً، ولكنه في الوقت نفسه فقير.
في روايته “الرجل المنكسر”، لا يكتفي طاهر بن جلون بسرد قصة فردية، بل يرسم صورةً أخلاقيةً دقيقةً لنظامٍ لا يُعد فيه الفساد شذوذا هامشيا، بل آليةً يوميةً شبه حتمية. مراد، الشخصية الرئيسية، مفتشٌ نزيه، يُسحق تدريجيا في بيئةٍ يكون فيها رفض الاستسلام بمثابة عزلةٍ ذاتية. إنه ليس مجرد رجلٍ يقاوم، بل رجلٌ يدفع ثمن تلك المقاومة، حتى يتحطم اضطرابه الداخلي. تُصوّر الرواية بدقةٍ كيف يُضعف الضغط الاجتماعي والإهانات المتكررة والعزلة في نهاية المطاف حتى أقوى الإرادات.
ومع ذلك، فإن ما يلفت الانتباه في هذا الكتاب هو تحديدا دافعه الأخلاقي. يُقدّم النص وضوحا لا يتزعزع في ما يتعلق بالتنازلات والتساهلات والتخلي. ويُشير إلى أن الكرامة لها ثمن، وأن من يدّعون التحرر منها يفقدون أنفسهم في نهاية المطاف.
إن إعادة قراءة هذا النص اليوم تُبرز التناقض بشكلٍ جليّ. وكأن الكاتب الذي وصف ببراعة التآكل التدريجي للنزاهة قد انحرف هو نفسه عن ذلك الدرب. وكأن مراد، في عزلته واستقامته المؤلمة، يُجسّد الآن معيارا لم يعد مؤلفه نفسه يسعى حقا إلى التمسك به.
لعلّ هذه، في نهاية المطاف، هي خيبة الأمل الحقيقية. الانطباع بوجود فجوة متزايدة بين العمل وكاتبه، بين دقة الرواية وخفة الخطاب العام، التي قد تكون مُقلقة أحيانا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى