الصويرة تستعد لاحتضان الدورة السابعة والعشرين لمهرجان كناوة والموسيقى العالمية

:أحمد رباص ـ تنوير
عشية انطلاق دورته السابعة والعشرين، رسّخ مهرجان كناوة والموسيقى العالمية مكانته كبنية تحتية ثقافية عالمية حقيقية. فمن التكريم المهيب للمعلم مصطفى باقبو، إلى الحوارات غير المسبوقة التي جمعت بين ريتشارد بونا وأسماء لمنور، أو حامد القصري وكارلينهوس براون، يحوّل المهرجان مدينة الصويرة إلى مختبر إبداعي مفتوح. فمن خلال إقامة تحالفات استراتيجية مع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية وكلية بيركلي للموسيقى، يتجاوز المهرجان مجرد الاحتفال، ليُرسّخ تراث كناوة في صرح معرفي وثقافي. إنه غوص عميق في صميم طموح مغربي يُعيد تعريف حدود التبادل الثقافي.
على أسوار الصويرة، حيث تضرب رياح المحيط الأطلسي الحجرَ الأصفر، ستُهيمن على المدينة موجةٌ من الحماس والنشاط في الفترة من 25 إلى 27 يونيو 2026. ليس هذا مجرد صدى لمهرجان صيفي، بل هو نبض أمةٍ قررت أن تجعل من تراثها الأكثر سحرا أساسا لدبلوماسية ثقافية حديثة.
عشية انطلاق دورته السابعة والعشرين، لم يعد مهرجان گناوة والموسيقى العالمية يكتفي بكونه مجرد استراحة ساحرة. فبفضل جهود منتجته، السيدة نايلة التازي، تحوّل الحدث إلى ما تسميه الآن “بنية تحتية ثقافية غير مادية”. مشروعٌ ضخمٌ يحشد هذا العام 463 فنانًا ليرفعوا عاليا ألوان الجرأة ونقل التراث الثقافي.
ستكون اللحظة الأكثر جلالًا في هذه الدورة بلا شك تكريمًا لشخصية عظيمة رحلت في سبتمبر الماضي: المعلم مصطفى باقبو. كان الفقيد، عملاقًا من عمالقة التراث التگناوي، تجسيدًا حيًا للمزج الموسيقي، قادرًا على أسر قلوب كل من عشاق التراث الأصيل وأيقونات موسيقى الجاز مثل بات ميثيني وماركوس ميلر.
كشف عبد السلام عليكان، أحد الشخصيات الرئيسية في الإدارة الفنية، عن نطاق هذا التكريم. لن يقتصر التكريم على الموسيقى فحسب، بل سيشمل أيضًا عروضًا سينمائية ومسرحية. على مسرح مولاي الحسن الأسطوري، سيُقام عرضٌ خاص وعرضٌ سينمائي يستعرضان مسيرة هذا الرجل الذي جمع بين آلة الگنببري وإيقاعات كارلوس سانتانا وجيل جلالة. إنه إرثٌ محفورٌ في الذاكرة تحت نجوم الصويرة، يُذكرنا بأنه حتى وإن رحل العظماء، فإن أنفاسهم لا تزال تُغذي إبداع العالم.
يتميز مهرجان هذا العام بكثافة فنية رائعة، حيث ستتردد أصداء 52 حفلة موسيقية في أرجاء المدينة، يؤديها 43 موسيقيًا بارعًا من مختلف أنحاء المملكة. وتستمد هوية المهرجان جوهرها من إبداعاته الأربعة الأصلية، لحظات ساحرة ينطلق فيها المخرجون الفنيون خارج المألوف ليقدموا مزيجًا موسيقيًا فريدًا، بعيدًا عن القوالب النمطية السائدة في صناعة الموسيقى.
– من بوسطن إلى المحيط الأطلسي: محور بيركلي-الصويرة
لا شك أن الشراكة مع كلية بيركلي للموسيقى تُعدّ من أهم ركائز هذه الحقبة الجديدة. فقبل ستة عشر عامًا، وصف رئيس هذه المؤسسة الأمريكية المرموقة المدينة بأنها “عاصمة الموسيقى العالمية”. واليوم، تحققت هذه النبوءة أكاديميًا. وللعام الثالث على التوالي، سيشهد برنامج بيركلي ضمن الدورة الجديدة لمهرجان گناوة والموسيقى العالمية توافد موسيقيين من شتى أنحاء العالم إلى المدينة القديمة. في العام الماضي، شارك 80 موسيقيًا من 24 دولة مختلفة، وفقًا لنايلة التازي، مما يثبت أنه على الرغم من أن الصويرة لا تملك حتى الآن معهدًا موسيقيًا كلاسيكيًا، إلا أنها أصبحت مدرسة في الهواء الطلق حيث يتم نقل الإيقاع من المعلم إلى المتعلم.
يُكتب مستقبل الصويرة اليوم بالحجر وبالعلم. فمشروع “مدينة الفنون” المستقبلي، الذي أطلقه المعماري البرازيلي الراحل أوسكار نيماير، يعد بمنح المدينة بيئةً عمرانيةً تليق بمكانتها المرموقة. ويواصل المهرجان تعاونه مع جامعة محمد السادس متعددة التقنيات من خلال كرسي التحولات، المدعوم من معهد الدراسات المتقدمة التابع للجامعة. وتهدف هذه المبادرة، التي تجمع بين البحث الأكاديمي والديناميات الفنية، إلى وضع أسس إطار عمل منظم لإنتاج المعرفة حول ثقافة گناوة، وأصولها، وتداخلاتها، وتعبيراتها المعاصرة، وذلك بتعزيز التبادل بين الفنانين والباحثين والمؤسسات، على الصعيدين الوطني والدولي.
وبينما يدخل المغرب “عصراً ثقافياً جديداً”، يبرز مهرجان گناوة كأحد رواد هذا المجال، مُثبتاً أن ثقافةً راسخةً يمكن أن تصبح لغةً عصريةً بامتياز. في الصويرة، لا تزال حرية الوصول والانفتاح هما الكلمتان الرئيسيتان لحدث لم يعد ملكاً لمنظميه فقط، بل أصبح مؤسسة وطنية يمكن لكل مغربي أن يفتخر بها.
– برنامج مصمم كأطلس موسيقي للحركة
تتبع الدورة السابعة والعشرون من مهرجان كناوة والموسيقى العالمية نهجًا فنيًا واضحًا: نهج المدن الساحلية وأماكن الحركة. أصبحت الصويرة، المدينة المطلة على المحيط الأطلسي، ملتقىً للفنانين من فلسطين، والهند، ولبنان، والسنغال، والكاميرون، والولايات المتحدة، ورواندا، وإثيوبيا، وفرنسا، ومالي.
يتجاوز هذا التوجه مجرد فكرة رئيسية، فهو قائم على ذاكرة مشتركة: ذاكرة العبور، والهجرة، والتمازج الثقافي.
يتردد صدى هذا التفسير مع ثقافة كناوة نفسها، التي تشكلت من خلال الحركة والنقل واستيعاب التأثيرات.
– مهرجانٌ مُصمَّمٌ كرحلةٍ تتخللها محطاتٌ توقف
تقدَّم دورة 2026 كرحلةٍ موسيقيةٍ عبر القارات. ففي غرب ووسط أفريقيا، تُثري التبادلات الأطلسيةُ جمالياتٍ تتلاقى فيها التقاليدُ مع الحداثةِ الحضرية. ويُجسِّد الموسيقيُّ الكاميرونيُّ ريتشارد بونا شخصيةً بارزةً في هذا التيار، إلى جانب فرقة “آي بوهورو” الرواندية. وفي الشرق الأوسط، تحملُ المشاهدُ اللبنانيةُ والفلسطينيةُ ذاكرةً متوسطيةً من التبادلات والشتات، تتجسَّدُ بشكلٍ خاصٍّ في ياسمين حمدان ومجموعة “٤٧ سول”، التي تمزجُ بين التراث التقليدي والإيقاعات الإلكترونية.
وتُوسِّعُ الأمريكتان هذا التفاعلُ الأفرو-أطلسي، بين الروحانية والقوة الإيقاعية. وتُجسِّدُ جوقةُ “هارلم سبيريت أوف غوسبل”، بقيادة أنتوني مورغان، وعودة كارلينهوس براون، هذه التبادلات التاريخية بين أفريقيا ومنطقة البحر الكاريبي والبرازيل. وفي الهند، يفتحُ حضورُ عازف “غانافيا” مساحةً أخرى للتناغم، حيثُ تتلاقى الروحانيةُ والجاز وتقاليدُ جنوب آسيا.
– المغرب، قلب الإبداع
في قلب هذا المشهد الموسيقي، يُشكّل المشهد المغربي هيكلاً متكاملاً. يشهد كلٌّ من هوبا هوبا سبيريت، ومهدي نصولي، وسارة مولابلاد، ومهدي قموم، وأودادن على حيوية هذا المشهد المتطور باستمرار. ويضمن أساتذة كناوة استمراريته وتوازنه.
– حفل الافتتاح، حجر الأساس للدورة السابعة والعشرين
يمثّل حفل الافتتاح لحظةً محوريةً في المهرجان، فهو عملٌ جماعيٌّ مُصمّمٌ مسبقاً، يُحضّر له مسبقاً ثم يُختتم في الصويرة. ويجمع هذا العام بين مهدي نصولي، وفرقة كناوة، وفرقة إي بوهورو، وسارة مولابلاد، وسيلفان بارو. حول آلة القُمبري، تتشابك الأصوات والإيقاعات في منطق ارتجاليٍّ يُجسّد جوهر المهرجان: جعل اللقاء محركاً للإبداع.
– منتدى لحقوق الإنسان
إلى جانب العروض الموسيقية، يؤكد منتدى حقوق الإنسان الثالث عشر، الذي يُقام ضمن فعاليات مهرجان كناوة والموسيقى العالمية في الصويرة، على رسالة هذا الحدث الفريدة: تعزيز الحوار بين الأفكار والثقافات. وقد تأسس هذا المنتدى عام ٢٠١٢، ونُظّم بالشراكة مع مجلس الجالية المغربية بالخارج، ليصبح منصةً محوريةً للتأمل، حيث يجمع الباحثين والفنانين والمسؤولين الحكوميين وفاعلي المجتمع المدني لمناقشة أهم القضايا المعاصرة.
إليكم في ما يلي إجابات السيدة نايلة التازي، مؤسسة مهرجان كناوة والموسيقى العالمية، عن اسئلة وجهتها لها جريدة رقمية مغربية عتيدة ناطقة بالفرنسية.
– تقولين إن مهرجان كناوة مشروع ثقافي طويل الأمد. كيف ترينه في السنوات القادمة؟
+ يُقام المهرجان منذ 27 عامًا، ويُشكّل جزءًا لا يتجزأ من الحياة الثقافية في البلاد منذ ما يقارب 30 عامًا. ما نشهده اليوم هو شكل من أشكال التأسيس المؤسسي. وقد تحقق ذلك بفضل التزام الشركاء من القطاعين العام والخاص الذين أدركوا أن هذا الحدث يحظى بشعبية واسعة، وهو متجذر في التراث المغربي، ويحمل في طياته صدىً دوليًا نفخر به جميعًا.
أتطلع إلى المستقبل بثقة. أرى جيلًا جديدًا من رواد كناوة، وجيلًا جديدًا في الصحافة، وقبل كل شيء، جمهورًا وفيًا يحرص على الحضور منذ أكثر من عقدين. يواصل الشباب إقبالهم على المهرجان، وهذا الجيل هو الذي سيضمن استمراريته غدًا.
– ذكرتم طموحكم بجعل الصويرة عاصمة عالمية للموسيقى. كيف يمكن تحقيق ذلك؟
+ لقد قطعت الصويرة شوطًا طويلًا. قبل ثلاثين عامًا، كانت المدينة تمر بفترة عصيبة. تضافرت جهود مجموعة من الجهات المحلية والوطنية والمؤسسية لبناء مستقبل يليق بتاريخها وجمالها.
اليوم، تُعدّ الصويرة واحدة من أكثر الوجهات السياحية جاذبية في المغرب، بل هي قبل كل شيء وجهة ذات معنى. يأتي الزوار لاكتشاف مدينة، وقصة، وذكريات. إن سرد المدينة أساسي: فمن خلال التمسك بجذورها، تستطيع بناء مستقبلها.
لقد تطورت البنية التحتية: ازدهر قطاع الفنادق، والآن تحذو البنية التحتية الثقافية حذوه، لا سيما مع إنشاء مدينة الفنون المستقبلية.
– طوّر المهرجان أيضًا جانبًا أكاديميًا، لا سيما بالتعاون مع كلية بيركلي للموسيقى. ما هو دور هذا الجانب في رؤيتكم؟
تُعدّ كلية بيركلي للموسيقى من أبرز كليات الموسيقى في العالم، تأسست في خمسينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة، وتضمّ ما يقارب 5000 طالب. طموحنا هو جعل الصويرة مدينةً يقصدها الناس من جميع أنحاء العالم لتعلم الموسيقى.
تساهم البرامج التي طُوّرت بالتعاون مع بيركلي في ترسيخ مكانة الصويرة كمدينةٍ تعليمية، حيث يأتي الناس لدراسة موسيقى كناوة، والموسيقى المغربية بكلّ ثرائها.
علاوةً على ذلك، ستستضيف الصويرة في نوفمبر المقبل اجتماعًا دوليًا لمدن اليونسكو الإبداعية. المدينة مدينة إبداعية وتعليمية معترف بها من قبل اليونسكو، مما يعزز هذا التوجه. يأتي فنانون كبار بالفعل للتدرب على موسيقى كناوة. هذا الزخم ما زال في بدايته.
– هل لا يزال سحر المزج الموسيقي قائماً بين المشروع النظري والتطبيق العملي على المسرح؟
+ هناك دائماً عنصر من المجهول، لكنني أثق تماماً بالموسيقيين الذين نختارهم. إنهم فنانون ذوو خبرة واسعة وانضباط عالٍ. مع هذا الأساس المتين على الورق، يكون الانتقال إلى المسرح عفوياً وحيوياً بشكل ملحوظ. بل إنه يتجاوز توقعاتنا أحياناً. ما نبحث عنه قبل كل شيء هو موسيقى أصيلة، خالية من التكلف.
– لماذا اخترتم أسماء لمنور للمشاركة في هذه الدورة؟
+ بصفتي عازفة طبول وموزعة موسيقية، سبق لي العمل مع أسماء في أغنيتين لها. عندما سألتني عن الفنان العالمي الذي ترغب بالتعاون معه، فكرت فوراً في ريتشارد بونا، الذي تُكنّ له إعجاباً كبيراً. سجلا معاً أغنية “شيفت منام”. عندما أكد ريتشارد زيارته للصويرة، أعرب بنفسه عن رغبته في دعوة أسماء. إنه لشرف عظيم أن نرحب بهذا الصوت الرائع للأغنية المغربية في أغنيتين استثنائيتين.
– ما هو، برأيك، أكثر العروض جرأةً في برنامج عام 2026؟
بلا شك، الحفل الافتتاحي. فيه تكمن الجرأة الحقيقية. فنحن ندخل موسيقى كناوة في حوار مع التراث الموسيقي الرواندي. موسيقى عريقة، لم تتغير أسسها إلا قليلاً على مدى قرن. يتطلب بناء جسور وتناغمات موسيقية مع موسيقى كناوة مجازفة فنية حقيقية. في هذا النوع من اللقاء، تتجلى روح المهرجان.



