ثقافة و فن

رحيل عبد النبي دشين.. الثقافة المغربية تفقد قلما مشاكسا وصوتا نقديا لا يُعوّض

 الحنبلي عزيز -متابعة 

في صباح حزين من يوم الأربعاء 22 أبريل 2026، فقدت الساحة الثقافية المغربية واحدا من أبرز وجوهها، برحيل القاص والناقد والباحث عبد النبي دشين بمدينة الدار البيضاء، عن سن ناهز 67 سنة، بعد معاناة مع المرض. وبرحيله، لا يفقد المغرب اسما عابرا في سجل الثقافة، بل يخسر عقلا ظل وفيا للكتابة، ومنحازا للأسئلة الكبرى، ومتشبثا بدور المثقف في زمن الضجيج والتفاهة.

عبد النبي دشين لم يكن مجرد كاتب يمر من باب الأدب ثم يختفي، بل كان من أولئك الذين جعلوا من الكلمة موقفا، ومن النقد فعلا ثقافيا يقاوم الرداءة، ومن السجال الفكري ممارسة نبيلة لا تخشى الاصطدام بالسطحي والمألوف. لذلك ظل اسمه حاضرا بقوة في تفاصيل المشهد الثقافي المغربي، سواء من خلال القصة، أو النقد الأدبي، أو النقد السينمائي، أو مساهماته المتواصلة في النقاش الثقافي العام.

وقد ترك الراحل بصمة واضحة في المكتبة المغربية من خلال أعمال عدة، من بينها «رائحة الورس» الصادر سنة 1994، و**«شعرية العنف»** سنة 1999، و**«استراتيجات تنمية القراءة»** سنة 2020، و**«الكتابة والحياة: قراءات في السينما والأدب»** سنة 2022، إلى جانب مساهماته في مؤلفات جماعية واشتغاله المتواصل على أسئلة الثقافة والقراءة والإبداع.

ولم يتوقف حضور عبد النبي دشين عند حدود التأليف، بل امتد إلى العمل الثقافي المؤسساتي، حيث تحمل مسؤوليات داخل اتحاد كتاب المغرب والجمعية المغربية لنقاد السينما والائتلاف المغربي للثقافة والفنون، كما شارك في لجان تحكيم عدد من الجوائز والفعاليات الثقافية والسينمائية، ما جعله اسما وازنا في فضاء التقييم الثقافي ومواكبة الإنتاج الإبداعي.

إن رحيل عبد النبي دشين لا يعني فقط غياب كاتب وقاص وناقد، بل يعني أيضا انطفاء صوت ثقافي كان يؤمن بأن الكتابة ليست زينة لغوية، بل مسؤولية فكرية وأخلاقية. وفي زمن يتسع فيه هامش الضوضاء، كان الراحل يمثل نموذجا للمثقف الذي يشتغل في عمق الفكرة، ويُراهن على المعنى، ويكتب بضمير من يعرف أن الثقافة ليست ترفا، بل ضرورة.

برحيل عبد النبي دشين، يزداد المشهد الثقافي المغربي فقرا، وتفقد الكتابة المغربية واحدا من وجوهها التي دافعت عن قيمة الأدب، وكرامة النقد، وحرمة السؤال الثقافي الجاد. غير أن الأسماء الكبيرة لا ترحل تماما؛ فهي تبقى بما كتبت، وبما أيقظت من وعي، وبما زرعت من أثر في الذاكرة الثقافية المغربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى