لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد مواجهة استخباراتية أو حرب بالوكالة تُدار عبر الأذرع الإقليمية. فقد دخل هذا النزاع، خلال العامين الأخيرين، مرحلة أكثر خطورة، انتقل فيها من الضربات المحدودة والرسائل العسكرية المحسوبة إلى مواجهة مفتوحة تهدد أمن الشرق الأوسط وأسواق الطاقة والملاحة الدولية.
بدأ التصعيد يأخذ شكله المباشر منذ سنة 2024، حين خرجت المواجهة الإيرانية ـ الإسرائيلية من دائرة “حرب الظل” إلى تبادل ضربات علنية. لكن التحول الأكبر جاء في يونيو 2025، عندما شنت إسرائيل ضربات واسعة داخل إيران، قالت إنها استهدفت منشآت نووية وعسكرية وقيادات مرتبطة بالبرنامج النووي والصاروخي الإيراني، قبل أن ترد طهران بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل.
ولم تقف واشنطن على هامش التصعيد. ففي يونيو 2025، تدخلت الولايات المتحدة عسكريا عبر ضربات استهدفت مواقع نووية إيرانية رئيسية، من بينها نطنز وأصفهان وفوردو، وهو ما اعتُبر منعطفا استراتيجيا خطيرا نقل الصراع من مواجهة إيرانية ـ إسرائيلية إلى أزمة إقليمية ـ دولية مفتوحة.
ومع بداية سنة 2026، تعمقت الأزمة أكثر. فقد تحدثت تقارير دولية عن عمليات عسكرية أميركية ـ إسرائيلية جديدة ضد إيران، في وقت بقي الملف النووي الإيراني في قلب النزاع، خصوصا مع تعثر جهود التفتيش والتحقق من المخزون النووي الإيراني بعد الضربات السابقة. وتشير وثائق الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن أنشطة التحقق داخل إيران تأثرت بشدة بعد هجمات يونيو 2025، وأن مفتشي الوكالة انسحبوا لأسباب أمنية.
غير أن أخطر ما في التطورات الأخيرة هو انتقال الضغط إلى مضيق هرمز، الشريان البحري الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. فقد أدى التوتر بين واشنطن وطهران إلى اضطراب الملاحة وارتفاع المخاوف من الألغام البحرية والاحتكاكات العسكرية، بينما أكدت تقارير أن الولايات المتحدة تعمل على تأمين الممرات البحرية وسط استمرار المخاطر.
دبلوماسيا، تبدو الأزمة عالقة بين التهدئة والانفجار. فقد جرت محاولات وساطة، خاصة عبر باكستان، من أجل تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مسار تفاوضي جديد بين واشنطن وطهران. غير أن أحدث التطورات أظهرت تعثر هذه الجهود، بعدما ألغى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إرسال مبعوثين إلى باكستان، في وقت غادر فيه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إسلام آباد دون تحقيق اختراق واضح.
وتؤكد هذه المعطيات أن المنطقة تعيش وضعا بالغ الهشاشة: وقف إطلاق نار غير مستقر، مفاوضات متعثرة، ضغط عسكري مستمر، ومضيق بحري قابل للاشتعال في أي لحظة. كما أن الجبهة اللبنانية، المرتبطة بحزب الله وإسرائيل، ما تزال عاملا إضافيا في توسيع رقعة التوتر، رغم الحديث عن تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لأسابيع إضافية.
في العمق، يكشف هذا الصراع عن ثلاث عقد كبرى: الأولى هي الملف النووي الإيراني الذي تعتبره إسرائيل تهديدا وجوديا، بينما تصر طهران على أن برنامجها سلمي. والثانية هي النفوذ الإقليمي الإيراني الممتد عبر حلفاء في لبنان واليمن والعراق وسوريا. أما الثالثة فهي حسابات الولايات المتحدة، التي تحاول الجمع بين حماية إسرائيل، ومنع انتشار السلاح النووي، وضمان أمن الطاقة والملاحة.
وبينما تراهن واشنطن وتل أبيب على الضغط العسكري والعقوبات لإجبار إيران على التراجع، تراهن طهران على الصمود، واستعمال أوراقها الإقليمية والبحرية لرفع كلفة المواجهة. لذلك، فإن الصراع لم يعد مجرد خلاف حول منشآت نووية، بل أصبح معركة نفوذ وشرعية وقوة في الشرق الأوسط.
الخلاصة أن الأزمة الأميركية ـ الإسرائيلية ـ الإيرانية دخلت مرحلة دقيقة وغير مسبوقة. فإما أن تقود الوساطات إلى اتفاق يوقف التصعيد ويفتح باب التفاوض حول النووي والصواريخ والعقوبات، وإما أن تنفجر المنطقة مجددا في مواجهة أوسع، ستكون كلفتها أكبر من قدرة أي طرف على التحكم في نتائجها.