ثقافة و فن

الذاكرة عقاب والرسم شهادة – قراءة في الزمان والمكان والهوية في “لوحة من الليل الآخر” للروائية الجزائرية حكيمة جمانة

بقلم الأستاذة: أمال بو حرب
تتشكل العلاقة بين الفلسفة والسرد مدخلا أساسيا لقراءة نص “لوحة من الليل الآخر” إذ ينفتح على مساءلة الوجود والألم والذاكرة والمسؤولية غير أن هذه العلاقة تاريخيا قامت على التوتر والتقابل .

في الفلسفة اليونانية يظهر أفلاطون في “الجمهورية” موقفا نقديا من الشعر إذ اعتبره محاكاة للمحاكاة تبعد عن الحقيقة وتؤثر في العاطفة بما يهدد سلطة العقل لذلك دعا إلى إقصاء الشعراء من مدينته الفاضلة في المقابل أعاد أرسطو في “فن الشعر” الاعتبار للسرد ورأى أن الشعر أكثر فلسفية من التاريخ لأنه يتناول الكلي والممكن لا الجزئي والعابر ويحقق وظيفة معرفية وجمالية عبر مفهومي المحاكاة والتطهير.

وفي التراث العربي يواصل ابن رشد هذا التصور حين يعالج الشعر ضمن “تلخيص كتاب الشعر” حيث يربط بين التخييل ووظيفة الإقناع والتأثير ويمنح الخطاب الشعري بعدا معرفيا يتجاوز الزخرف البلاغي وبذلك يصبح الأدب مجالا تتقاطع فيه المعرفة مع الوجدان ويتداخل فيه التخييل مع الحقيقة.

أما في الفلسفة الحديثة فقد لجأ عدد من الفلاسفة إلى السرد حين ضاق البرهان المفهومي عن احتواء التجربة الإنسانية فنيتشه في “هكذا تكلم زرادشت” يكتب نصا هجينًا بين الفلسفة والشعر وابن طفيل صاغ “حي بن يقظان” بوصفه قصة رمزية فلسفية وفي الأدب الحديث تتحول القصة إلى مختبر وجودي كما عند كافكا في “المسخ” وكامو في “الغريب” حيث تختبر أسئلة العبث والهوية والاغتراب داخل بنية سردية مكثفة .

في السياق العربي يتجلى الربط بين الفلسفة والنقد الأدبي عند عدد من المفكرين والنقاد الذين نظروا إلى الأدب بوصفه مجالا لإنتاج المعرفة وتأويل العالم يظهر ذلك عند أدونيس في “الثابت والمتحول” وعبد الله العروي في “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” و“مفهوم التاريخ” كما يتبدى عند حسن حنفي في “التراث والتجديد” وعند جورج طرابيشي في “نقد نقد العقل العربي” وكذلك عند إدوارد سعيد في “الاستشراق” و“العالم والنص والناقد”
وفي مجال السرد أسهم نقاد بارزون في تعميق فهم البنية السردية وعلاقتها بالمعرفة من بينهم صلاح فضل وسعيد يقطين وحميد لحميداني ويوسف حطيني وسعاد مسكين حيث اشتغلوا على مفاهيم السرد والبنية والدلالة والتكثيف والرمز .

انطلاقا من هذا الأفق يقرأ نص “لوحة من الليل الآخر” بوصفه تقاطعا بين السرد والتفكير الفلسفي حيث تتحول اللوحة إلى وسيط وجودي وأخلاقي
تبدأ القصة بتوتر داخلي واضح في قول الساردة “سقطت المدينة مستسلمة في حضن الليل الجائع وما سقطت أنا في حضنه لأن جوعي يفوق جوعه أضعاف المرات” وهي جملة تؤسس لصراع بين ذات واعية وعالم متداع حيث يتحول الجوع إلى استعارة للفراغ الوجودي ويتعمق هذا البعد في عبارة “ذات جرح من سنوات الجمر” التي تكشف أن الألم صار مكونا من مكونات الهوية
زمنيا يتحرك النص بين ثلاث طبقات زمن الحاضر زمن الرسم وزمن الحدث الماضي وزمن الحلم الذي يعيد تشكيل الواقعة وهذا التداخل يعكس اشتغال الذاكرة بوصفها زمنا حيا حيث يستمر الماضي كأثر نفسي فاعل
أما المكان فيتجاوز وظيفته الواقعية ليصبح رمزا فالمدينة تمثل فضاء الانهيار والليل كيان جائع يبتلع المعنى وتظهر المفارقة في “عتبة باب منزل جميل” التي تحتضن مشهد الفاجعة وتجمع بين الجمال والعنف
في هذا السياق يظهر الرسم كفعل مقاومة وكشف فعبارة “تمردت كفرس جموح” تمنح الريشة حياة رمزية وتجعلها وسيطا بين المكبوت والصورة وتبلغ القصة ذروتها في صورة “عينين كبيرتين تذرفان دموعا حمراء” حيث تتحول العين إلى علامة مزدوجة أداة للرؤية وشاهد على العنف
وتتصاعد الصدمة مع قول الطفلة “لقد أرسلوا لنا عيني أخي الصغير في صندوق مزدان بشريط أحمر” حيث ينتقل النص من التمثيل الفني إلى الشهادة الأخلاقية ومن الرمز إلى العنف العاري .

الألم في النص متعدد المستويات نفسي يتمثل في الاختناق ووجودي يظهر في الانفصال عن العالم وأخلاقي يتجلى في عبء الشهادة ورمزي يتكثف في الصور ويبلغ ذروته حين يتحول إلى صورة فنية فتغدو اللوحة فضاء يجمع بين التفريغ والاستعادة .
في المقارنة مع “الجريمة والعقاب” يلتقي النصان في مركزية الذنب مع اختلاف المصدر فعند دوستويفسكي الذنب ناتج عن فعل ارتكبه البطل بينما هنا الذنب ناتج عن الشهادة والعجز عن النسيان وهكذا تتحول الذاكرة إلى شكل من أشكال العقاب الداخلي .

تتخذ الذاكرة بعدا قسريا يقوم على تكرار المكبوت كما صاغه فرويد حيث تعود الصدمة في هيئة صور وأحلام تعيد إنتاج التجربة داخل الحاضر فالمشهد المرتبط بالطفلة وصندوق العيون يظهر كأثر نفسي غير مستوعب ويتجلى عبر آليتي التكثيف والإزاحة وهما من أبرز آليات اشتغال الحلم عند فرويد بهذا المعنى يغدو الحلم امتدادا للجرح وتتحول الصورة إلى وسيط يكشف ما يظل كامنا في اللاوعي وفي هذا السياق يكتسب الرسم دلالة فرويدية بوصفه شكلا من أشكال التسامي حيث تتحول الطاقة النفسية المكبوتة إلى إنتاج رمزي يمنح الصدمة شكلا قابلا للتمثيل ويعيد تنظيم الألم داخل بنية جمالية وإذا وسعنا المقاربة نحو سؤال الهوية فإن النص يلتقي مع تصور بول ريكور للهوية السردية حيث تتشكل الذات عبر ما ترويه عن نفسها وتغدو الذاكرة فعلا تأويليا يعيد بناء التجربة داخل الحاضر فاللوحة تتحول إلى فضاء تتقاطع فيه الذاكرة مع التخييل وتتشكل فيه هوية مجروحة تعيد تعريف ذاتها عبر الفعل الفني كما يمكن ربط هذا التصور بامتداد التحليل الفرويدي حيث تتكون الهوية عبر تفاعل مستمر بين الوعي واللاوعي بين ما يقال وما يظل كامنا وهو ما يجعل الذات في النص ساحة توتر بين أثر الصدمة ومحاولة صياغتها ومن جهة أخرى يحضر البعد الأخلاقي في أفق قريب من ليفيناس حيث تتحول صورة الطفلة إلى نداء يضع الذات أمام مسؤولية وجودية فتغدو الشهادة فعلا يؤسس الهوية عبر علاقتها بالآخر المتألم ،ومن منظور وجودي يتجلى النص في لحظة القرار “وقررت البدء مرة أخرى” حيث يتحول الفعل الفني إلى اختيار واع يؤسس لمعنى في عالم مضطرب ويجعل من الرسم فعل مقاومة للعبث أما من جهة ديفيد هيوم فإن البعد الأخلاقي في النص يقوم على العاطفة والتعاطف وهو ما ينسجم مع تصوره للأخلاق بوصفها مؤسسة على الشعور ومن زاوية ابن رشد فإن التخييل يؤدي وظيفة معرفية إذ يكشف الحقيقة عبر الصورة .

أما من الناحية الوجودية فالقصة تضعنا أمام ذات مسؤولة تعود في النهاية إلى فعل الرسم وهذه العملية الأدبية تكشف أن الفعل الفني صار موقفا وجوديا فالذات تواجه الجرح وتستحضر الذاكرة وتحول الألم إلى ممارسة والمحنة إلى شهادة والصدمة إلى التزام ،وهكذا تتجمع دلالات النص في جعل الفن فعل شهادة يواجه الذاكرة ويمنح الألم صيغة قابلة للمعنى حيث تتشكل الهوية في تماس مباشر مع الجرح ويأخذ السرد موقع مساءلة مستمرة ،إنه نص يربط الجمالي بالأخلاقي والداخلي بالوجودي والرمز بالفعل ويجعل من اللوحة مساحة يتصالح فيها الإنسان مع جرحه عبر الاعتراف به وتحويله إلى أثر ولكن هل تنجح الكتابة؟ في انتشالنا من هذا الألم أم تمنحنا طريقة أعمق لرؤيته وتحمله؟

نص القصة :لـوحــة من الـلـيـل الآخـــر

سقطت المدينة مستسلمة في حضن الليل الجائع وما سقطتُ أنافي حضنه لأن جوعي يفوق جوعه أضعاف المرات، لحظة مقارنة فارقة، ألـقتْ بظـلالها باعـثة بعض التحـدي وأنـا أقـول في قـرارة نفسي لو كان ليلي جمرة متقدة فأنا نار متأججة تستجـدي لحظـة سكون دافئة لأجـل روح باردة منذ أكثر من شهر.
كانت الألوان قاتمة، الريشة زائغة وكان اللوح الصغير المرفوععلى القائمتين الخشبيتين متحـفزا كما عـين ساهـرة ترقـب ولادة نجـم في سماء غائمة.. بينما كانت أنغام “تشايكوفسكي” تنسابفي رقة مخدرة ومنبهة تغازل الصمت الهادر..

اقـتربتُ بخطى وئيدة نحو الريشة، الـتقطتها من موضعها كمن يلتقط درة نفيسة من مكان سحيـق.. رفعتُها صوب عينيّ مـطيلافيها التأمل، شحنتها ببضعة كلمات من الإطـراء الأبيض فحسب حتى لا أشركها باقي الألوان تجنبا لغيرتها..
هكذا اعتدتُ على إغرائها كلما شرعت في طقوس الولادة الفنية.كانت الفكرة المجردة تدب برأسي تتخبط بقوة جنين في بطن أمه ساعـة مخاض، استعجلت هـذه المرة ُالولادة بلهفة غريبـة غرابة ذلك الشعور المبهم الذي يسكنني بعبئه الثقيل.

أحسستُ أن صدري قد انتفخ وكأن أوكسجينا ملوثا قد قـرّ برئتي وكم وددت أن أزفر زفرة قوية تترجمها ريشتي العنيدة..! 
تحسستُ شـعيراتها الناعـمة بحنو جـارف أستجـديها برقـة غـير معهودة؛ أغـمستُ بعد ذلك رأسها في أحــد الألوان دونما انـتقاء محدد، صوبتها نحو الإطار الخشبي وتركتُ لها العنان علها تخرج الحمل الثقيل الذي سكن صدري منذ أكثر من شهر..
وحـدث ما لم أتوقعـه ؛ هـربتْ من يـدي، تمردتْ كـفرس جموح أجدني عاجزا تماما عن ترويضها.
( آه وآه ) فـلتتْ مـن أعماقي بألم وحـزن كبيرين، كأنّني أوقـظ نبضها لتتحـرك وتفرغ تلك الحمولة التي أثقلت كاهـل صدري..
أعتـقتُها للحـظات بعـد أن ارتدتْ يـدي وتأرجحـتْ إلى جانـبي،استسلمت أمام عنادها،وسحبتني أنغام تشايكوفسكي إلى بحيرة البجع في وقت مستقطع؛ خيل لي أن ريشتي بجعـة بيضاء وكـم يلـزمني من تعويذة لتعـود أوديت*
بعد تهويمات عدت إلى موضعي أربّتُ على يـدي التي راوغتْها الريشة حتى تحركـتْ وارتفعـتْ وهي تملي عليها بـدء الرسـمـة.

وهاهي أخيرا تستقوى، تتحرك بحرارة، تفـرغ وجعي ونبضي بطريقة لا شعورية ولما توقفت الماكرة عن الحراك أهدتني عينينكبيرتين مفتوحتين لا شبيه لهما في شلال خضرتهما وهما تذرفان دموعا حمراء؛ تأملتُ العينين الماثلتين أمامي على اللوحة حتى تـملكـني الإرباـك والذهـول وسرعان ما تسلـقني الخوف وعـبث بالمضغة الباردة في يساري..
كان مـرأى العينين مروعـا وهـو يشي بـسر عجيب ولغـز محـيّر..
سرتْ قشعريرة باردة في جسمي، تشنجت عضلاتي وتـفصد جبيني عرقا ودونما شعور محوت العينين بعدما عبثت بي المخيلة،فخلتهما عينين من عيون الملاحم والأساطير ربما عـين ” بوليفيموس” في منتصف جبهتـه، ربما هي لـثلاث ساحـرات عجائـز يتقاسمن عـينا واحـدة وسنا واحدة ربــــمـــا..
طوتني أسئلة الاحتمال حتى ترنحتْ رأسي التي تفرغت بـدورها لصدري المعبأ لتضغط عليه أكثر، وكمن حـط قدميه على الأرض بعـدما عـرج في سما بعـيدة، استعـدتُ وضعـية رأسي المهربـة (فأين كنتُ يا ترى وأيّة قوة سحرية استلتني للحظات عن موسيقى تشايكوفسكي التي انسجـمت مع قـطرات المطـر التي سمعـتُ لـها إيقاعا آخر وهي تنزلق على وجه النافذة الكريستالي ..) وبعـدما بلغ مني التعب مبلغا كبيرا ارتميتُ على فراشي مستجديا الكرى الذي كان يراوغني من حين لآخر بمرأى العينين الحمرواين، استسلمت للنوم، ينفتحُ صدري المعبأ على دفته التي كانت مطبقة منذ أكثر من شهـر على حادثة عجيبة نسيتها رغـما عنيّ؛ كانت بطلتها طفلة صغيرة تبكي على عتبة باب منزل جميل وهي تقول بلغة أخاذة تأسر القلوب والألباب:

( أيها الناس هـل لـديكم الشجاعــة للسماع والاستمتاع؛ البـغـاة المقنعون لقد أرسلوا لنا عيني أخي الصغير الذي لم يتجاوز عمره
عشر سنوات في صندوق مـزدان بشريـط أحـمـر..؟!)
كانت الصغيرة تسرد الواقعة البشعة ببراعة مذهلة، بمقدرة خطيب مفجوع حد النخاع وهي تصور فاجعتها بكلمات تقطر دما ودمعا،وقتها كانت عـيناهـا مفتوحتين بسعة غريبة ترى وكأنها لا ترى.
أردفتْ: ( لماذا يدفع الصغار ضريبة اخـتلال القيم والمعـتقـد عـند الكبار .. إرفعـوا أيديكم عن عالمنا ولا تجعـلوا منا بيادقا في تلك اللعبة الملونة..وكفوا عن حرماننا من الركض، لقد أفسدتم علينا لعبة الغميضة بعدما أطفأتم عيون كل الصغار..)
مر شريط الحادثة التي انقضى عليها أكثر من شهر في منامي،استيقظتُ على إثرها مفزوعا وأدركتُ أن العينين ما هما إلا عيون من الليل الآخـر الذي لم يغسل بعد قلبه بالأمان والمحبة..وقـررت البدء مرة أخرى في رسم اللوحـة وألا أتنحى عن موضعي حتى أكملها..
انتهت
( ذات جرح من سنوات الجمر)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى