ثقافة و فن

حفل توقيع (كتاب هيغل: قراءة جماعية جديدة في “فينومينولوجيا الروح”)

أحمد رباص ـ تنوير
أولا وقبل كل شيء، أستحسن أن أسرد قصة تأليف هذا الكتاب. عندما كنت طالبا للفلسفة بالكلية عند بداية السنة الأولى، سألتني طالبة من المحمدية عن الشعبة التي وقع عليها اختياري، وعندما أجبتها بأن شعبتي هي الفلسفة قالت لي: أنت تريد البحث عن الحقيقة.
ظل هذا الرد ملازما لذاكرتي التي دأبت على استرجاعه كلما صادفت كلمة “الحقيقة” أثناء قراءتي لمقال أو كتاب في الفلسفة، إلى أن قررت سنة 2024 الانتقال إلى العمل حيث قلت في قرارة نفسي: ماذا لو قمت بترجمة مقالات وكتب تتحدث عن الحقيقة والحرية في قارة الفلسفة؟
ها أنتم تلاحظون أني أضفت مفهوما آخر إلى مفهوم الحقيقة.. وذلك راجع، في نظري، إلى أن الحقيقة تستدعي الحرية والعكس صحيح. فالحقيقة والحرية تشكلان على نحو مطلق البنية الوجودية للإنسان وتكونان الوحدة مأخوذتين في جوهرهما، كما كتب روبنس بيليدور في بحث له بعنوان “إشكالية الوجود: الحقيقة والحرية الإنسانية عند هايدغر” صادفته في رحلتي البحثية، ترجمته إلى اللغة العربية، ونشرته على النت.
هكذا كان “كتاب هيغل: قراءة جماعية جديدة في ‘فينومينولوجيا الروح'” ثمرة هذا البحث. وحتى لا أفوت عليكم مفاجأة او فجائية الاطلاع على فحوى الكتاب موضوع هذه الكلمة، أقترح عليكم نظرة موجزة عن كتاب “فينومينولوجيا الروح” لهيغل.
يُعدّ هذا الكتاب أحد أكثر النصوص تأثيرًا في تاريخ الفلسفة الحديثة. قدّم فيه هيغل صورةً آسرةً وجديدةً لعلاقة العقل بالعالم، والعلاقات المتبادلة بين الناس. وكما فعل كانط من قبله، قدّم هيغل تفسيرًا منهجيًا لطبيعة المعرفة، وتأثير المجتمع
والتاريخ على ادعاءات المعرفة، والطابع الاجتماعي للفاعلية الإنسانية نفسها. وقد انبثق من هذا العمل فهمٌ جديدٌ وجريءٌ لما أصبح يُعرف، بعد هيغل، بـ”الذاتية”، وكان له دورٌ محوريٌ في تشكيل فلسفاتٍ لاحقة، مثل الوجودية، والماركسية، والبراغماتية الأمريكية، والتي تفاعلت كلٌ منها مع مقاربات هيغل الجذرية بطرقٍ مختلفة.
يُعدّ هذا الكتاب أول أعمال هيغل الرئيسية، ويُعتبر من أهمّ وأصعب أعمال المثالية الألمانية. يصف الكتاب “سيرة الروح” التي يتطور فيها الوعي من أبسط أشكاله، أي التجربة الحسية، إلى أسمى أشكال المعرفة الذاتية، والتي يُطلق عليها هيغل “المعرفة المطلقة”.
تتمحور فكرة الكتاب الأساسية حول أن الإنسان يحقق الحرية من خلال عملية فهم الذات بأثر رجعي. وها نحن نلمس أحد مبررات العلاقة الوطيدة بين الحقيقة والحرية.
نشر كتاب “فينومينولوجيا الروح” في الفترة ما بين عامي 1806 و1807 في طبعةٍ محدودةٍ من 750 نسخة. كان عنوان طبعة 1807 هو “نسق العلوم، الجزء الأول: فينومينولوجيا الروح”. ومن العناوين الفرعية الأخرى التي وضعها هيغل: “الجزء الأول: علم تجربة الوعي”. ويهدف كتاب “فينومينولوجيا الروح”، كما ورد في مقدمته، إلى “إدراك الحقيقة والتعبير عنها لا كجوهر، بل تحديدًا كذات”.
يُعتبر هذا العمل بلا شكّ أحد أكثر الأعمال الفلسفية الحديثة ثوريةً، إلى جانب كتاب “نقد العقل الخالص” لكانط، وفقًا لليفيناس. وهو عملٌ شديد الكثافة، مفاهيميٌّ، وغامض، وقد أثّر بشكلٍ ملحوظ على مدارس فكرية في القرنين التاسع عشر والعشرين (الماركسية والمثالية).
تأخر استقباله في فرنسا؛ إذ توجد ترجمات فرنسية عديدة له: ترجمة جان وال عام 1929، وترجمة ألكسندر كوجيف عام 1939، وترجمتا جان هيبوليت عامي 1939 و1941، وترجمة جان بيير لوفيفر عام 1991، وترجمة غويندولين ياركزيك لبيير جان لاباريير عام 1993، وأخيرًا ترجمة برنارد بورجوا عام 2006. وقد حظي هذا العمل بالتفسير منذ ثلاثينيات القرن العشرين.
ولا أفوت هذه المناسبة دون كلمة شكر يجب أن أوجها إلى صديقي الشاعر حسن نجمي الذي واكب هذه التجربة الأولى آخذا بيدي منذ صياغة العنوان إلى آخر لمسة على الإصدار. كما أتوجه بالشكر الجزيل إلى السيد هشام القادري، مدير دار الثقافة، لقاء الحفاوة التي استقبلني بها أول الأمر، وإلى كافة العاملين معه وأخص منهم بالذكر الأخت زكية..
فمرحبا بالأصدقاء والمهتمين بالقول الفلسفي في حفل توقيع هذا الكتاب برواق دار الثقافة D48 في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط يوم السبت 9 ماي الجاري من الساعة الثالثة إلى الساعة الرابعة بعد الزوال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى