الحنبلي عزيز -تنوير
شهدت مدينة الدار البيضاء يوم 01 ماي 2026 افتتاح فعاليات المهرجان الدولي للسينما المستقلة بالدار البيضاء، في أجواء احتفالية استثنائية عكست حيوية المشهد السينمائي المستقل، حيث توافد صناع السينما من مختلف القارات للمشاركة في هذا الحدث الثقافي الذي أصبح محطة بارزة ضمن الأجندة الفنية الدولية. ويأتي تنظيم هذه الدورة ليؤكد مرة أخرى المكانة المتقدمة التي باتت تحتلها السينما المستقلة داخل المغرب، باعتبارها فضاءً للتجريب والإبداع الحر، ومنصة لطرح قضايا إنسانية عميقة بعيدا عن القيود التجارية والإنتاجية التقليدية.
وقد تميز حفل الافتتاح بعرض فيلم Palestine 36 للمخرجة آن ماري جاسر، وهو عمل سينمائي قوي يستعيد أحداث الثورة العربية الكبرى في فلسطين سنة 1936، ويقدم معالجة إنسانية وتاريخية دقيقة تعكس معاناة الشعب الفلسطيني ونضاله، حيث لقي الفيلم تفاعلًا كبيرًا من الجمهور والنقاد لما يحمله من عمق بصري وسردي.
وتضم هذه الدورة لجنة تحكيم دولية رفيعة المستوى، حيث يترأس لجنة الأفلام الطويلة Edouard Waintrop، ويشاركه في تقييم الأعمال كل من Ahmed Rashwan وAhmed Al Mulla وCaroline Locardi وAdil Fadili، في حين تترأس لجنة تحكيم الأفلام القصيرة Sanae Assif، إلى جانب Ahmed Assar وWijdan Khalid، وهو ما يعكس تنوع الخلفيات الثقافية والفنية داخل لجان التحكيم، ويضمن تعددية في زوايا النظر أثناء تقييم الأعمال المشاركة.
وتعرف هذه الدورة مشاركة واسعة لأفلام من مختلف أنحاء العالم، حيث تتوزع بين الأفلام الطويلة والوثائقية والقصيرة، وتتناول مواضيع متعددة من قبيل الهوية والهجرة والذاكرة والصراعات الاجتماعية. ففي مسابقة الأفلام الطويلة، نجد أعمالًا بارزة مثل فيلم Laguna الذي يغوص في عزلة الإنسان داخل الطبيعة، وفيلم Aisha Can’t Fly Away الذي يعالج معاناة المهاجرين في المدن الكبرى، إضافة إلى فيلم Peter Pan الذي يطرح تساؤلات الهوية والانتماء، وفيلم The Grill الذي يقدم حبكة درامية مشوقة داخل فضاء مغلق، إلى جانب الفيلم المغربي Fiers, suspendus et obstinés الذي يستكشف حياة سكان جبال الريف بعيدا عن الصور النمطية.
أما في فئة الأفلام الوثائقية، فتبرز أعمال متميزة مثل Trois lunes derrière une colline الذي يوثق حياة الرعاة في الأطلس المتوسط، وفيلم Le Lac Bleu الذي يحكي رحلة طفل كفيف في الصحراء بحثا عن بحيرة أسطورية، إضافة إلى فيلم Jauk le dernier du Mellah الذي يستعرض سيرة فنان مغربي شغوف بالموسيقى، وفيلم Leila Shahid l’espoir en exil الذي يقدم بورتريه إنساني لمناضلة فلسطينية بارزة.
وفي مسابقة الأفلام القصيرة، تحضر مجموعة من الأعمال التي تعكس غنى التجارب السينمائية الشابة، من بينها Tatouage de Bezza الذي يعالج الذاكرة الجسدية للتقاليد، وفيلم Ephemeral You الذي يستكشف العلاقة بين الأب والابن، وفيلم Les Jardins du Paradis الذي يسلط الضوء على التحديات الاجتماعية، إلى جانب Dilemma الذي يطرح صراع الهجرة، وCrawling Birds الذي يقدم رؤية رمزية للحرية، وCellule 20 الذي يغوص في العزلة النفسية، وVolter وViens mais reste loin، إضافة إلى أعمال أخرى تعكس تنوع الرؤى الإبداعية.
كما تحتفي هذه الدورة بالسينما المغربية من خلال فقرة “بانوراما مغربية”، التي تقدم مجموعة من الأفلام الوطنية، من أبرزها فيلم Coup de tampon للمخرج رشيد الوالي، والذي يروي قصة مهاجر مغربي يعيش في فرنسا ويواجه خبرًا صادمًا يعيده إلى استرجاع ماضيه، في معالجة إنسانية مؤثرة لقضايا الهجرة والهوية والذاكرة.
وفي إطار تثمين مسارات الإبداع، احتفى المهرجان بعدد من الأسماء البارزة في الساحة الفنية، ويتعلق الأمر بكل من حسن بنجلون ورشيد الوالي ومنى فتو وأحمد الملا، وذلك اعترافًا بإسهاماتهم المتميزة في تطوير السينما والفن وتعزيز حضور الثقافة في الفضاء العام.
ويزخر برنامج المهرجان بأنشطة موازية تشمل عروضًا لأفلام طويلة وقصيرة، ولقاءات مباشرة مع المخرجين، وورشات تكوينية لفائدة الشباب، إضافة إلى ندوات فكرية تناقش قضايا السينما المستقلة في ظل التحولات الرقمية والتكنولوجية المتسارعة.
وبهذه الدورة، يرسخ المهرجان الدولي للسينما المستقلة بالدار البيضاء موقعه كفضاء عالمي للحوار الثقافي والإبداعي، حيث تتلاقى الرؤى الفنية المختلفة، وتُروى قصص إنسانية تعكس هموم المجتمعات وتطلعاتها، مما يجعل من الدار البيضاء مركزًا نابضًا بالحياة السينمائية ومختبرًا مفتوحًا لتجارب فنية جديدة.