وجهة نظر
هندسة الرؤية لعل معرض الكتاب مناسبة للتفكير (1) سياستنا اللغوية وجماعات الضغط الخارجية-احمد الخمسي

عندما يتأمل مغربي ما جرى في معرض الكتاب يسهو من شدة التعقيدات الزائدة عن اللزوم، مقابل الجهد في صرف الأموال وحشد الطاقات واللوجيستيك، بل وازدهار لحظة عينية ملموسة للتنمية الثقافية، أجيال تحج إلى المعرض وفئات وعائلات وجمعيات، يصبح معها المثقف الذي صرف من عمره أجمل الأوقات كي يصبح له كتاب يحتفل بتوقيعه، فينتج السعادة لعائلته ومحيط أصدقائه ومهنته وبلده في آخر المطاف. وبالنظر إلى ربع قرن مضى، تبوأ المغرب من حيث يدري ولا يدري سمعة جيدة، توارت معها بيروت والقاهرة، وراء الإشعاع المغرب الحالي ثقافيا.
يتحول النظر عن البؤرة المضيئة للمعرض، نحو حضور الطاهر بنجلون وتغييب المعطي منجب.
مسبقا أعلن أن ليس بل لم يكن لي رأي تفضيلي تجاه أحدهما، غير جمعهما معا ضمن المثقفين المغاربة الفرنكوفونيين، أي ككتاب مغاربة بالفرنسية.
لا أنكر، أن لي إجمالا رأي بصدد السياسة الثقافية المغربية، وراءها السياسة الثقافية الفرنسية، كوجه من وجوه الاستعمار الجديد، تلاحق البلدان المستعمرة من قبل، بسياسة لغوية، تستثمر الدولة الفرنسية المال كي تبقي قطاعات متعددة في البلدان المستقلة، ومنها المغرب، كي يستمر في استعمال الفرنسية في قطاعات الاقتصاد والبحث العلمي، بل ومراكز البحث المرتبطة بالاستثمار المحلي. بحيث نجد الجماعات المحلية والمصالح الخارجية للوزارات المختلفة تنجز دراسة السوق وتبلور المشاريع باللغة الفرنسية. وهو ما ينعكس على السياسة التعليمية المغربية ببطالة الدكاترة باللغة العربية بينما يندمج الذين أنجزوا بحوث دكتوراهم باللغة بالفرنسية مباشرة في سوق الشغل.
يصبح إثرها المنتخب المحلي في جماعة ترابية، إن لم يكن يتقن اللغة الفرنسية أطرشا في الزفة. خصوصا إذا صادف رئيس الجماعة يتقن الفرنسية، ساعتها حتى اللجن الوظيفية المختصة بدراسة المشروع تجد نفسها في حالة شرود. سيما وأوساط أنصاف المتعلمين يحسبون إتقان الفرنسية تفوقا اجتماعيا يبعدهم عن “رعاع” المعربين الذين لا يفهمون في النجاعة ودربة ربح الصفقات. نعم يشركونهم في الجلسة الافتتاحية خمسة نجوم ثم الله يعاون.
لا يشتغل الاستعمار اللغوي الجديد منفردا، بل يستغل وعي المغاربة بأهمية تعدد اللغات وأهمية إتقانهم لها، فيبدأ مسلسل الاستقطاب من تحت واستثمار الوعي النقدي البديهي لدى الأفراد الشباب لاستعادة حفر الهوة بين “وعي المخزن” و “وعي السيبة”.
ثم يتم استدراج الضفتين لنفس المساحة السردية الاستعمارية. فالمندمجون في الاختيارات الرسمية يتم شحنهم بالحداثة التي تبعدهم عن تراثهم الحضاري، والمتوفرون على وعي حاد تجاه الاختيارات الرسمية، يتم دمجهم ضمن مجموعات الضغط بسردية “تطور التخلف” في بلدانهم، بما يشحذ بحوثهم وفق الفكر السياسي الفرنسي الاستعماري الذي يؤلب الأطر الجامعيين الجدد على مؤسسات الدولة في بلدانهم وليس فقط ضمن الفكر النقدي السياسي الذي يعني المشاركة السياسية من تحت سقف دولهم.
غالبا ما يتم اختيار توقيت المنعطفات والأعاصير السياسية الكبرى في العالم حتى تنشئ جماعات الضغط بؤر بحث لتوجيه السياسات السيادية في بلدان الجنوب، بما يصب في الأهداف الفرنسية التوجيهية والتعبوية المرجوة. لأن سردية الاستعمار الجديد تتضمن خلق حاجة أنظمة الاستقلال إلى الخبرة الفرنسية في السياسات العمومية، وكذا دعم الدولة الفرنسية للأنظمة في ميادين القرض المالي (نظام سويفت والحاجة إلى بصم نادي باريس) وتكوين الخبراء.
على أن مبيعات الكتب في فرنسا، تأتي استجابة للاوعي الذي ينحو بالقراء الفرنسيين نحو أفق انتظار مكتوب يوافق مشاعرهم الوطنية، التي تقضي بتشريح فشل محتمل للسياسات المحلية الوطنية في بلدان الجنوب، بعد طرد الاستعمار.
يصبح لدى الشركات الفرنسية منفاخ مؤسسات الدولة الفرنسية الذي يشعل الحرائق في عين المكان. فيعقبه دور تلك الشركات -بخبرائها- لإطفاء الحرائق.
فمثلما يعاب على بلدان النفط كونها تبقى معتمدة بنسبة 90 في المائة على ريع النفط، و90 في المائة بالاعتماد في تحالفاتها الخارجية على أمريكا، نفس الخطأ ما زالت بلدان المغرب الكبير تكرره بصدد العلاقة مع فرنسا، وإن بدأ المغرب يفلت من أنياب الاستعمار الجديد الثقافي والجيوساسي، فالمسألة اللغوية ما زالت مكرسة نفس التبعية اللغوية المفرطة.
كان من باب اليقظة بصدد نسبة 20 في المائة الخاصة من بنية التعليم، أن يتم إدراج تخصص لغوي غير فرنسي، الأنجليزية والاسبانية والصينية. مع الأمازيغية والعربية. حتى يتم بناء مسالك الأطر المغاربة مع الاقتصادات الأخرى الصاعدة الواعدة.
ولأن صورة المغرب في عيون المغاربة والأجانب لا علاقة لها بما كانت عليه سنوات الرصاص وحتى خلال التسعينات، من المفروض معالجة مظاهر ثقل سياسة مجموعات الضغط الخارجية، بأسلوب يلمس المعنيون أنفسهم أنهم من الماضي، وأنهم ليسوا منابع تنوير، بل جيوب جديدة لسردية فرنسية قديمة.
في الحلقة الثانية، سنحاول فرز بعض مظاهر الثقل الذي تحاول جماعات الضغط الخارجية وضعه على طريق المغرب، بلبوس مغربية. مع مسافة من الموقف الرسمي الذي ما زال قديما بدوره في المسألة الثقافية.



