ثقافة و فن

“الأمازيغ والمخزن” يفجر جدلاً فكرياً وسياسياً بمعرض الكتاب… بين أمانة الترجمة وحدود قراءة النص الكولونيالي

 الحنبلي عزيز -تنوير

تحول كتاب “الأمازيغ والمخزن”، الترجمة العربية لعمل عالم الاجتماع الفرنسي Robert Montagne “Les Berbères et le Makhzen dans le sud du Maroc”، إلى واحد من أكثر الإصدارات إثارة للنقاش خلال فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، بعدما تجاوز الجدل حدود مضمون الكتاب نفسه ليمتد إلى سؤال الترجمة، وحدود التصرف في المفاهيم التاريخية ذات الحمولة الكولونيالية، بل وحتى إلى نقاش أوسع حول حرية تداول الكتب داخل الفضاءات الثقافية.

ويعد كتاب مونتاني من أبرز كلاسيكيات السوسيولوجيا الاستعمارية الفرنسية التي حاولت دراسة البنية الاجتماعية والسياسية للمغرب خلال فترة الحماية، خاصة من خلال تحليل العلاقة بين القبائل والسلطة المخزنية في مناطق الجنوب المغربي. وقد ظل هذا العمل، لعقود، مرجعاً أساسياً في دراسة مفاهيم “بلاد المخزن” و”بلاد السيبة”، وما يرتبط بها من أنماط التنظيم القبلي والسلطة المحلية.

غير أن إعادة إحياء هذا النص عبر ترجمة عربية جديدة أنجزها المترجم والناشر عبد الرحيم حزل، فتحت الباب أمام سجال حاد بين مثقفين وباحثين ومهتمين بالشأن الثقافي، بعدما اختار المترجم تعويض مصطلح “البربر” الوارد في العنوان الأصلي الفرنسي بلفظ “الأمازيغ”، وهو ما اعتبره البعض مجرد تحيين لغوي ينسجم مع التداول الثقافي والهوياتي المعاصر، فيما رآه آخرون انزياحاً خطيراً عن المعنى التاريخي الأصلي للنص.

ومن أبرز الأصوات المنتقدة لهذا الاختيار الباحث عثمان بن شقرون، الذي اعتبر أن المترجم وقع في “سقطة منهجية” منذ العنوان، لأن روبير مونتاني لم يستخدم لفظ “الأمازيغ”، بل اشتغل على مفهوم “البربر” باعتباره مفهوماً سوسيولوجياً أنتجته المدرسة الاستشراقية الفرنسية في سياق كولونيالي محدد.

ويرى بن شقرون أن تغيير المصطلح لا يتعلق فقط بتحديث لغوي، بل يمس البنية الفكرية التي قام عليها الكتاب، لأن لفظ “البربر” يحمل حمولة سياسية واستعمارية مرتبطة بطريقة نظر الإدارة الاستعمارية الفرنسية إلى القبائل المغربية، وإلى التقابلات التي صاغتها بين “الديمقراطية القبلية” و”سلطة المخزن”.

وبحسب هذا الطرح، فإن تعويض المصطلح بلفظ “الأمازيغ” يُدخل مفاهيم القرن الحادي والعشرين في نص كُتب سنة 1930، ويعيد “أنسنة” خطاب كولونيالي كان ينبغي نقله كما هو، بما يحمله من تناقضات وأحكام مسبقة، حتى يتمكن القارئ من فهم السياق التاريخي والفكري الذي أنتجه.

ويؤكد منتقدو الترجمة أن وظيفة المترجم لا تتمثل في إعادة صياغة النص وفق حساسية العصر، بل في نقل المفاهيم كما استعملها صاحبها، مع إمكانية توضيح الخلفيات والسياقات عبر الهوامش والشروح. لذلك، يعتبر هؤلاء أن حذف كلمة “البربر” من العنوان يمثل نوعاً من إعادة كتابة الوثيقة التاريخية، وليس مجرد تعديل اصطلاحي.

في المقابل، وجد عبد الرحيم حزل نفسه في قلب عاصفة من الانتقادات والاتهامات، خاصة بعد تداول أخبار عن منعه من بيع نسخ من الكتاب بمدخل المعرض الدولي للنشر والكتاب، مع توجيه تحذير له بعدم تكرار ذلك، قبل أن يُسمح له لاحقاً بمواصلة نشاطه داخل رواق دار تكوين الكويتية.

ورد حزل على هذه التطورات عبر تدوينات مطولة، قال فيها إن آخر خمسين نسخة من الكتاب كانت مخصصة للتوزيع خارج المغرب، في دول مثل كندا وألمانيا والولايات المتحدة والدنمارك وهولندا، قبل أن يقرر تحويلها إلى رواق دار تكوين بطلب من صديقه الناشر، حسب تعبيره.

كما اعتبر المترجم أن الهجوم على الكتاب لا ينفصل عن حساسية موضوعه، ولا عن النقاشات المرتبطة بالهوية والتاريخ والذاكرة، مؤكداً أن الانتقادات التي طالته تجاوزت أحياناً النقاش العلمي إلى ما وصفه بخلفيات سياسية وشخصية.

ورد حزل أيضاً على ما تم تداوله بشأن مبيعات الكتاب، مؤكداً أنه تمكن من بيع حوالي ألفي نسخة، معتبراً أن الإقبال الكبير يعكس ثقة القراء فيه وفي اختياراته الفكرية والترجمية، سواء اتفقوا معه أو اختلفوا معه.

وأعاد هذا الجدل طرح أسئلة عميقة داخل الأوساط الثقافية المغربية حول كيفية التعامل مع النصوص الكولونيالية: هل ينبغي ترجمتها حرفياً، حتى وإن كانت تتضمن مصطلحات تُعتبر اليوم جارحة أو متجاوزة؟ أم يجوز للمترجم التدخل لتكييفها مع التحولات الثقافية والحقوقية المعاصرة؟

كما فتح النقاش باباً آخر يتعلق بحرية تداول الكتب داخل المعارض الثقافية، وحدود الرقابة أو التدخل في توزيع بعض الإصدارات المثيرة للجدل، خاصة عندما يتعلق الأمر بكتب تلامس قضايا الهوية والتاريخ والسياسة.

وبين موقف يرى في ترجمة “الأمازيغ والمخزن” محاولة لإعادة تقديم نص كلاسيكي بلغة أكثر انسجاماً مع التحولات الثقافية الراهنة، وموقف آخر يعتبر أن تغيير المفهوم الأصلي يشكل مساساً بالأمانة العلمية والتاريخية، تحول كتاب روبير مونتاني من مجرد مرجع سوسيولوجي قديم إلى قضية ثقافية وفكرية مفتوحة، تكشف حجم التوتر القائم بين الذاكرة الاستعمارية، وأسئلة الهوية، وحدود الترجمة في السياق المغربي المعاصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى