قراءة عاشقة وناقدة في كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو (الجزء الثاني)

أحمد رباص ـ تنوير
خصص الكاتب باحدو مطلع الفصل الخامس من كتابه “كنت اتحاديا” لمنظمة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أوطم)، واكتفى بالحديث عن تأسيسها في دجنبر 1956 بالرباط وذكر الرؤساء الذين تعاقبوا عليها، انطلاقا من الطالب الماجيدي الإستقلالي وصولا إلى محمد بوبكري الاتحادي مرورا بعبد اللطيف المنوني الذي ترأس المنظمة لولايتبن.
بعد ذلك، يورد نصا مقتطعا من مقدمة كتاب ندوة أوطم الصادر عن مركز بنسعيد آيت إدر للأبحاث والدراسات. ينوه هذا النص بالمنظمة باعتبارها بؤرة لا تهدأ من الديناميات “الداعمة لقوى التقدم والتعبير”. تلا ذلك سرد لائحة من الطلبة النشطاء تحت لواء أوطم، في محاولة للبرهنة على أنها صارت رافدا تنهل منه الأحزاب الوطنية التقدمية مناضليها الأشاوس.
ويختم سي باحدو حديثه عن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بالإشارة إلى “قرار حله في 24 يناير 1973 ودخوله مرحلة العمل السري إلى سنة 1981 عند انعقاد المؤتمر السابع عشر، وهو آخر مؤتمر لهذه المنظمة العتيدة التي حاربها النظام دون هوادة”.
من التفاصيل التي غابت عن الكاتب وهو يتحدث عن أوطم دورها في حمل النظام على التراجع عن حذف الفلسفة من لائحة الشعب الدراسية المقررة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، وإحداث شعبة الدراسات الإسلامية كبديل عن شعبة الفلسفة. حققت أوطم هذا الانتصار مباشرة بعد عقد تجمع طلابي خطابي حاشد بمقر المنظمة الكائن بحي الليمون في بداية الموسم الجامعي 1980/1979.
وما لم يقله سي باحدو هو أنه خلال المؤتمر التأسيسي الذي عقد يوم 26 ديسمبر 1956، نشأ الاتحاد الوطني لطلبة المغرب رسميا بعد أن استوعب العديد من الجمعيات الطلابية. إنها في الحقيقة ليست أول منظمة طلابية تظهر في المغرب. مثلا، يروي المعتقل السياسي السابق طارق برحو كيف شهدت الجامعة المغربية ظهور العديد من المنظمات الطلابية. بعد ظهور جمعيات مثل جمعية مسلمي شمال إفريقيا (1912)، أو الجمعية العامة لطلبة الرباط (1927) أو اتحاد طلاب المغرب (1947)، فسحت العديد من هذه المنظمات المجال أخيرا للاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
1) جاء قرار تأسيس أوطم بعد حصول المغرب على الاستقلال مباشرة. سوف تظهر العديد من النقابات والجمعيات. في غشت 1956، قررت جمعيات الطلبة حل نفسها من أجل تشكيل اتحاد، كما يذكر من جانبه الباحث المغربي عبد العالي الصغيري. كتب في عام 2016 قائلا: “لقد تم العمل كضرورة تاريخية على تأطير الطلبة المغاربة باعتبارهم شريحة اجتماعية لعبت أدوارا أساسية في مكافحة الاحتلال”.
في المؤتمر الأول، سيتم تسمية الحسن الثاني، الذي كان آنذاك ولياً للعهد، كرئيس فخري للمنظمة. وظلت الأخيرة تحت قيادة حزب الاستقلال طوال مدة المؤتمر الوطني الثاني، الذي نظم في سبتمبر 1957 في فاس. ولكن منذ المؤتمر الثالث الذي عقد في 23 يوليوز 1958 في تطوان، تم تصدير حرب التيارات داخل حزب علال الفاسي إلى داخل المنظمة الطلابية. أصدقاء عبد الرحيم بوعبيد وعبد الله إبراهيم ومهدي بن بركة سينتصرون في نهاية المطاف في المعركة داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. منذ مؤتمرها الرابع في 27 غشت 1959، أعلنت المنظمة دعمها للتيار التقدمي داخل حزب الاستقلال. وبطبيعة الحال، كانت المنظمة إلى جانب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي تم إنشاؤه في 6 نوفمبر 1959 بعد الانشقاق عن حزب علال الفاسي.
تحول الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، مثل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، إلى صفوف المعارضة بمجرد حل حكومة عبد الله إبراهيم. في المؤتمر الخامس، المنعقد يوم 16 يوليوز 1960 بالدار البيضاء، سيتغير خطاب القادة أيضا. لن يكتفوا بعد الآن بانتقاد البيروقراطية بل النظام السياسي وقمع شخصيات الحركة الوطنية. كما أكد البيان الختامي على المشاكل المرتبطة بالديمقراطية وأصر على رحيل الجنود الفرنسيين من المغرب.
2) مما لم يأت على ذكره الأستاذ عبد الجليل باحدو في الفقرات التسعة التي افردها للاتحاد الوطني لطلبة المغرب أن هذه المنظمة أعلنت رسميا في المؤتمر السادس (أزرو، يوليوز 1961) انفصالها عن النظام الحاكم، مؤكدة على طابعها المجتمعي التقدمي. كما تم الإعلان عن تأسيس اتحاد جديد في أوروبا الشرقية وتعاونيات كوسائل اتصال مع قواعد الطلبة.
في هذه الآونة، نشر “كتاب أبيض” حمّلت فيه المنظمة مسؤولية الأوضاع في البلاد إلى الحكم الفردي لنظام الحسن الثاني، الذي تولى الحكم في مارس 1961.
وبمناسبة المؤتمر السابع (يوليوز 1962)، دعت أوطم إلى مقاطعة استفتاء دجنبر 1962، وقررت إصدار صحيفة “الطالب المغربي” باللغتين العربية والفرنسية. كما شهدت السنة ظهور الاتحاد العام لطلبة المغرب، كمحاولة من حزب الاستقلال للسيطرة على الحركة الطلابية، لكنها فشلت.
وفي سنة 1963 تجسد رد فعل النظام في إقدام الحسن الثاني في يونيو 1963 على إصدار ظهير يمنع الاتحاد من تأطير الطلبة، وتم تنفيذ مجموعة من الاعتقالات طالت عددا من نشطاء الاتحاد.
وفي المؤتمر الثامن (غشت 1963، الدار البيضاء)، اتخذ الاتحاد موقفًا معارضًا للنظام، وطالب بإسقاطه، حيث أكد البيان الختامي أن النظام عقبة أمام تطلعات الجماهير والتقدم، وأن إلغاءه ضروري للخروج من الأزمة.
وفي المؤتمر التاسع (سبتمبر 1964، الرباط)، دعت أوطم إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين والنشطاء التقدميين. وفي أكتوبر 1964، اتخذت الحكومة إجراءات قانونية ضد الاتحاد، لكنه انتصر في مواجهتها.
وفي مارس 1965، أثارت تصريحات وزير التربية الوطنية يوسف بلعباس غضب الطلبة الذين خرجوا في مظاهرات كبيرة يوم 23 مارس، قمعها الجيش بالرصاص في الدار البيضاء. بعد ثلاثة أشهر، أعلن المغرب حالة الطوارئ لأول مرة في تاريخه (يونيو 1965). وانعقد المؤتمر العاشر للاتحاد في أكتوبر 1965 في الرباط، معززًا مكانته كنقابة قوية.
كخلاصة، تحول الاتحاد الوطني لطلبة المغرب خلال هذه الفترة إلى قوة نقابية معارضة للنظام الملكي، مع تأكيد على دوره التقدمي والاجتماعي، وواجه قمعًا شديدًا من نظام الحسن الثاني، لكنه استمر في النضال السياسي والاجتماعي، مع تصاعد التوترات التي بلغت ذروتها في مظاهرات 1965 وحالة الطوارئ التي تلتها.
(يتبع)



