الحنبلي عزيز -تنوير
تستعد العلاقات المغربية الفرنسية لدخول مرحلة جديدة مع الزيارة المرتقبة للملك محمد السادس إلى فرنسا، وهي زيارة دولة تؤشر، بحسب ما أوردته صحيفة لوموند الفرنسية، على عودة الدفء إلى محور الرباط ـ باريس بعد سنوات من التوتر والفتور الدبلوماسي. فقد أكد وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، يوم الأربعاء 20 ماي 2026، أن الزيارة الملكية إلى فرنسا “مبرمجة”، فيما قال نظيره الفرنسي جان نويل بارو إن باريس تستعد لاستقبال الملك محمد السادس.
وتكتسي هذه الزيارة أهمية خاصة، ليس فقط لأنها تأتي بعد مرحلة صعبة في العلاقات بين البلدين، ولكن أيضاً لأنها ستكون ثاني زيارة دولة يقوم بها الملك محمد السادس إلى فرنسا منذ اعتلائه العرش، بعد الزيارة الأولى التي جرت سنة 2000، أي بعد أشهر قليلة من توليه الحكم.
وحسب معطيات نشرتها لوموند، فإن موعد الزيارة يُرتقب أن يكون خلال الخريف المقبل، بعد الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في شتنبر، وبعد افتتاح السنة التشريعية الجديدة التي يترأسها الملك في الجمعة الثانية من شهر أكتوبر. وكان من المنتظر سابقاً أن تتم الزيارة في سياق تخليد الذكرى السبعين لتصريح “لا سيل سان كلو” لسنة 1955، غير أن هذا السيناريو لم يتحقق.
وتكشف كواليس التحضير لهذه الزيارة أن الأمر لا يتعلق بمجرد بروتوكول دبلوماسي عادي، بل بمحطة استراتيجية يراد لها أن تؤسس لمرحلة جديدة بين البلدين. فقد أشارت الصحيفة الفرنسية إلى وجود مشروع معاهدة صداقة بين المغرب وفرنسا، يجري الإعداد لها من طرف لجنة تضم شخصيات من مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة، من بينها وزير الخارجية الفرنسي الأسبق هوبير فيدرين، والكاتبة ليلى سليماني، وشخصيات مغربية وفرنسية أخرى.
ويبدو أن هذه المعاهدة ستكون إحدى أبرز لحظات الزيارة، إذ قدمها المسؤولون باعتبارها اتفاقاً غير مسبوق: فهي ستكون، وفق التصريحات الرسمية، أول معاهدة من هذا النوع تبرمها فرنسا مع بلد غير أوروبي، وأول معاهدة يوقعها المغرب مع بلد أوروبي. كما يرتقب أن تشمل مجالات متعددة، من التعاون الاقتصادي والدبلوماسي، إلى الثقافة والتعليم والمجتمع المدني وقضايا الهجرة والجالية.
خلفية الزيارة ترتبط أيضاً بالتحول الكبير الذي عرفه موقف باريس من قضية الصحراء المغربية. فقد استعادت العلاقات زخمها بعد إعلان فرنسا سنة 2024 دعمها لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو الموقف الذي اعتبرته الرباط منعطفاً حاسماً في مسار العلاقات الثنائية. ومنذ زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الرباط في أكتوبر 2024، تكثفت اللقاءات الوزارية بين البلدين، في مؤشر على رغبة مشتركة في إعادة بناء الثقة.
لكن الطريق نحو هذا التقارب لم يكن سهلاً. فقد عرفت العلاقات بين باريس والرباط خلال السنوات الماضية عدة ملفات خلافية، من بينها أزمة التأشيرات، ومواقف أوروبية منتقدة للمغرب، وتداعيات ملف “بيغاسوس”، قبل أن يبدأ الحوار في العودة تدريجياً سنة 2023، ثم يتعزز بشكل واضح ابتداءً من صيف 2024.
ومن المنتظر أن يتضمن برنامج الزيارة، وفق البروتوكول الفرنسي، استقبالاً رسمياً في قصر الإليزيه، ولقاءات مع رئيس الحكومة الفرنسية ورئيسي الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، إضافة إلى محطات محتملة مع أفراد الجالية المغربية المقيمة بفرنسا.
وبهذا المعنى، فإن زيارة الملك محمد السادس إلى فرنسا لا تبدو مجرد زيارة مجاملة، بل محطة سياسية ودبلوماسية كبرى لإعادة صياغة العلاقة بين بلدين تجمعهما روابط تاريخية معقدة ومصالح استراتيجية متشابكة. كما أن توقيتها، بين انتخابات تشريعية مغربية سنة 2026 ورئاسيات فرنسية مرتقبة سنة 2027، يمنحها بعداً إضافياً، يجعل منها فرصة لتثبيت التفاهمات قبل دخول البلدين في حسابات سياسية داخلية جديدة.
وبين الذاكرة والتاريخ والمصالح الاقتصادية وقضية الصحراء، يبدو أن الرباط وباريس تتجهان نحو صفحة جديدة عنوانها الأبرز: شراكة استراتيجية أكثر وضوحاً، وتعاون سياسي مؤطر بمعاهدة قد تشكل مرجعاً جديداً في العلاقات المغربية الفرنسية.