اختبار الدولة القانونية في مواجهة تضخم الدولة الإدارية

مصطفى المنوزي
ليست أزمة الثقة في المؤسسات مجرد انطباع نفسي عابر، بل هي مؤشر عميق على طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين القانون والسلطة، وبين النصوص المعلنة والممارسات الفعلية. وحين يتعلق الأمر بالقضاء، تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن الثقة في العدالة ليست تفصيلًا تقنيًا، بل شرطًا بنيويًا لوجود الدولة القانونية نفسها.
في السياقات الانتقالية أو الهجينة، لا يظهر التوتر الأساسي دائمًا بين “القانون” و”اللاقانون”، بل بين نموذجين ضمنيين للدولة: دولة قانون تُفترض فيها الموازنة بين السلط وضمان الحقوق، ودولة إدارية تميل، بحكم بنيتها ووظيفتها، إلى أولوية الاستقرار والتحكم واستمرارية الجهاز المؤسساتي. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل يستطيع القضاء أن يظل حكمًا مستقلًا حين تكون الدولة نفسها طرفًا في النزاع؟
لقد أصبح جزء مهم من الرأي العام لا يقيس استقلال القضاء فقط عبر النصوص الدستورية، بل عبر طريقة تدبير الملفات التي تكون الإدارة أو الأجهزة العمومية طرفًا فيها. ففي هذه اللحظات الحرجة، تُختبر العدالة لا باعتبارها جهازًا تقنيًا لإنتاج الأحكام، بل باعتبارها فضاءً لإنتاج الثقة العمومية والأمان القانوني والرمزي.
غير أن الإشكال لا يكمن دائمًا في وجود تدخلات مباشرة أو أوامر صريحة، بل في ما يمكن تسميته بـ”التواطؤ الموضوعي” بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية؛ أي ذلك الانسجام البنيوي غير المعلن الذي يجعل منطق الدولة يتسلل أحيانًا إلى منطق العدالة نفسها. فالقاضي، حتى وهو يمارس استقلاله الشكلي، يشتغل داخل ثقافة مؤسساتية أوسع تُعلي، في بعض الملفات، من قيمة الاستقرار وهيبة الدولة واستمرارية المؤسسات.
هنا لا يعود الأمر متعلقًا بسوء نية الأفراد بقدر ما يرتبط ببنية كاملة من التمثلات والولاءات الرمزية وعقل الدولة. ولذلك قد تبدو بعض الأحكام، خاصة في القضايا ذات الطابع الحقوقي أو السياسي أو المرتبطة بمسؤولية الإدارة، أكثر انسجامًا مع منطق السلطة العمومية من انسجامها مع فلسفة التوازن بين الدولة والمواطن ، وهنا يفترض فتح قوس ولو لإفتحاص مرحلي قيمي ونوعي لمدى تفعيل مقتضيات مدونة الأخلاقيات القضائية ، ومدى تمثلها من قبل الجيل الواعد من القضاة ؛ كإختبار لا مناص منه .
ومن داخل هذا المناخ، تتولد أزمة ثقة مركبة؛ فالمواطن لا يخشى فقط خسارة دعواه، بل يخشى أيضًا أن تتحول المعطيات الخاصة والأسرار المهنية والمعلومات الحساسة إلى عناصر قابلة للتداول أو الاستعمال خارج حدودها القانونية والأخلاقية. لذلك يصبح احترام السر المهني وحماية الخصوصية جزءًا من اختبار الدولة القانونية نفسها، لأن الدولة التي لا تضمن الأمان الرمزي لمواطنيها تدفعهم تدريجيًا نحو الحذر المفرط وفقدان الثقة في المؤسسات.
وفي هذا السياق تنتشر سلوكيات اجتماعية ومهنية تقوم على “اختبار الأشخاص” والاحتفاظ بالاستنتاجات داخل دوائر ضيقة، لا باعتبارها مجرد نزعة فردية، بل كتعبير عن خصاص متزايد في الثقة المؤسساتية. فحين يشعر الأفراد أن المؤسسات لا توفر ما يكفي من الضمانات، يلجؤون إلى شبكات الحذر الشخصي، وإلى بناء الثقة على أساس التجربة الفردية لا على أساس القواعد العامة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كلما تضخمت الدولة الإدارية، توسعت الحاجة إلى الدولة القانونية؛ لأن الإدارة بطبيعتها تميل إلى إنتاج منطق الضبط والاستمرارية، بينما يحتاج المجتمع إلى ضمانات مضادة تحمي الحقوق والحريات والتوازن بين السلط. غير أن الخطر يبدأ حين تتحول الدولة القانونية نفسها إلى مجرد واجهة شكلية تُدار بمنطق إداري محافظ، فتفقد العدالة قدرتها على إنتاج الثقة، وتفقد المؤسسات قدرتها على الإقناع الرمزي.
إن اختبار الدولة القانونية لا يتم في القضايا السهلة، بل في اللحظات التي تُقاضي فيها الدولة نفسها، أو حين يُطلب من القضاء أن يحكم ضد منطق النفوذ أو ضد عقل الإدارة. وهناك تحديدًا يتقرر الفرق بين استقلالية مُعلنة واستقلالية مُعاشة، بين حياد قانوني مجرد وحياد مؤسساتي فعلي ؛ فحذارِ من تراخي الدولة، في شخص ممثلها الدستوري ومؤسساتها الضامنة لسيادة القانون، إزاء هذا التآكل التدريجي لمنسوب الثقة في العدالة وفي فكرة الدولة القانونية نفسها. فلم يعد الأمر ينحصر في القضايا ذات الطبيعة السياسية أو الأمنية، بل امتد إلى مجالات ترابية واجتماعية تمس الحياة اليومية للمواطنين وحقوقهم الأساسية، حيث تتكرر أحيانًا ممارسات الهدم أو الإفراغ أو التدخلات الإدارية دون احترام كافٍ للموجبات المسطرية والضمانات القانونية ؛ وفي مثل هذه الحالات، لا تُختبر فقط شرعية القرار الإداري، بل تُختبر قبل ذلك وظيفة القضاء وحدود استقلاليته. إذ يتولد لدى جزء من الرأي العام انطباع خطير مفاده أن السلطة القضائية قد تتحول، بدل أن تكون حصنًا للحماية والإنصاف، إلى آلية لإضفاء الشرعية الشكلية على انتهاكات بسيطة أو جسيمة، عبر تغليب منطق المصلحة الإدارية والاستعجال على حساب الحقوق والحريات والضمانات القانونية.وإن الأخطر من ذلك أن تراكم هذه الانطباعات يعيد إلى الذاكرة الجماعية صورًا من ماضٍ أليم، حيث كان القانون يُستعمل أحيانًا كأداة للضبط أكثر منه كآلية للعدالة. لذلك فإن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بإصلاح القضاء، بل بمنع عودة الشروط الرمزية والسياسية التي تُنتج فقدان الثقة في المؤسسات، لأن المجتمعات لا تخاف فقط من الظلم، بل من تحوله إلى ممارسة عادية ومؤسساتية ومبررة باسم النظام أو المصلحة العامة.
ومن ثم، فإن حماية الدولة القانونية تقتضي يقظة دستورية ومجتمعية دائمة، تجعل من احترام المساطر والحقوق والحريات معيارًا لهيبة الدولة، لا عائقًا أمامها؛ لأن الدولة التي تربح سلطتها وتخسر ثقة مواطنيها، قد تنتصر إداريًا على المدى القصير، لكنها تُضعف شرعيتها الرمزية على المدى البعيد.




