في زمن تائه بين سرعة الصورة الرقمية ووهج الشاشات، يبقى المسرح أب الفنون هو الملاذ الذي يجمع شتات الإبداع، والمكان الذي يتحول فيه البسيط إلى معجز، والمعتاد إلى طقس روحاني. هذا ما جسّده الفنان عبد الخالق بلفقيه، في مشاركته اللافتة بالدورة الثالثة
لمهرجان سينما المرأة والطفل بمشرع بلقصيري، حيث لم يقدم عرضاً فنياً عادياً، بل صاغ ليلة فنية بمثابة فرجة كلية، حاكت فيها الخشبة روح التاريخ، وتمازجت فيها عناصر التشكيل والغناء والرقص والشعر في بوتقة مسرحية واحدة.
كانت المشاهد الأولى مفاجئة في بساطتها الجمالية وثرائها الرمزي والتاريخي؛ فقد كان حضور بلفقيه الجسدي على الخشبة، أشبه بحالة من الجذبة الصوفية التي تجسدت عبر لازمة دائرية وحركات راقصة، تنم عن تمكن جسدي مذهل لهذا الفنان المخضرم.
المشهد الذي ظهر فيه متكئاً على عصاه، أو مُحلقاً بتوازن بديع على رجل واحدة، لم يكن مجرد استعراض بهلواني، بل كان لغة مسرحية تتحدث عن جبروت الفنان وقوته على الركح، ومدى قدرته على ركوب درب التعبير دون غلو أو مبالغة.
تناغمت هذه الحركات مع إيقاعات موسيقية ملحمية قوية رافقت دخوله، لتشكّل حواراً بين الجسد والتراث، بين الماضي والحاضر في لوحة فنية تغني عن ألف كلمة.
ولعل اللحظة الأعمق والأكثر إنسانية في هذا الأداء، كانت تلك التي نطق فيها بلسان شعري يشبه دراويش الحكمة، حين أخبر جمهوره بأن الفن يعجن بماء الجمهور. هذه العبارة البسيطة تختزل فلسفة المسرح الكبرى: المسرح ليس خطبة من طرف واحد، بل هو طقس
تبادلي، خميرة تنمو بتفاعل المبدع مع عيون المستمعين وارتعاشات صمتهم. إن شمولية نظرة بلفقيه للفن، جعلت من العرض المسرحي قناة متعددة الأبواب تفضي جميعها إلى قلب المبدع، ففيها الشعر لإيقاظ الضمير، واللون لإبهار البصر، والموسيقى لمخاطبة الروح، والرقص لترجمة ما يعجز عنه اللسان.
ثم استحضر بلفقيه آلة الدف ليس كأداة إيقاع موسيقي فحسب، بل كقماش حي للرسم والتعبير. فبحرفية الصائغ، لوّنها بالألوان الأولية الثلاثة (الأزرق والأصفر والأخضر) وسطّر عليها حرف تيفيناغ الأمازيغي، في إشارة ذكية إلى التعالق بين الأرض والطبيعة والهوية المغربية الأصيلة. لقد اختزل بلفقيه عظمة التاريخ المغربي في إطار دائري، يؤكد أن المسرح قادر على احتواء كل الفنون البصرية والتشكيلية، وأن المبدع لا يحتاج إلى إبهار الجمهور بآلات معقدة، بل بفكرة تنبض بالحياة..
بهذه الإبداعية المدهشة، أثبت عبد الخالق بلفقيه أن المسرح يظل بلا منازع أب الفنون، والمصدر الأغنى الذي يحتضن التشكيل والموسيقى والإلقاء والرقص، ويعيد لها وهجها وقدسيتها. لقد كان هذا العرض في مدينة مشرع بلقصيري بمثابة استعادة واعية لهيبة الخشبة؛ فالفن الحقيقي، كما رسمه بلفقيه أمام عيون جمهوره، ليس ما يُستهلك في ثوانٍ، بل ما يظل عالقاً في الذاكرة بوصفه تجربة شعورية ومعرفية كاملة، يضرب فيها المبدع بجذوره في تراب الهوية، ويمدّ يديه نحو جمهوره ليصنع معهم النور.
إشارة:تضمن حفل افتتاح الدورة الثالثة لمهرجان سينما المرأة والطفل بمشرع بلقصيري ليلة الخميس 25 يونيو 2026 لحظات فنية مسرحية وتشكيلية مع المبدع عبد الخالق بلفقيه، تجاوبت معها الباحثة زينب الزاوي، التي ستناقش قريبا أطروحة دكتوراه بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، وأثمرت النص الجميل أعلاه.. شكرا لها وللمبدع الصديق بلفقيه. (أ.س.)