متابعة سعيد حمان
يظل المهرجان الوطني للفنون الشعبية بمراكش واحدًا من أعرق التظاهرات الثقافية بالمغرب، باعتباره موعدًا سنويًا للاحتفاء بالموروث الشعبي المغربي، وصون الذاكرة الجماعية، وإبراز غنى الفنون التقليدية التي شكلت جزءًا من الهوية الوطنية لعقود طويلة.
غير أن بعض الاختيارات التي رافقت إحدى الندوات الصحفية للمهرجان، وعلى رأسها تخصيص حيز بارز للإعلان عن تكريم الفنانة زينة الداودية بحضور مدير المهرجان الدكتور الكنيديري، فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة التوجه الذي يسير فيه هذا الموعد الثقافي، ومدى انسجامه مع رسالته الأصلية.ولا يتعلق الأمر بالتقليل من قيمة الفنانة زينة الداودية أو من مسارها الفني، كما أنه لا يمس المكانة العلمية والثقافية للدكتور الكنيديري، الذي راكم تجربة محترمة في خدمة الثقافة بمدينة مراكش. فالأشخاص محل احترام، لكن تدبير المؤسسات الثقافية يبقى موضوعًا للنقاش والتقييم كلما تعلق الأمر بمهرجان يحمل رمزية وطنية ورعاية ملكية.
فالرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في استضافة أسماء معروفة أو تحقيق صدى إعلامي، وإنما في الحفاظ على الهوية التي من أجلها أُسس المهرجان، باعتباره فضاءً للفنون الشعبية المغربية الأصيلة، ومنبرًا للفرق التراثية التي حافظت على هذا الإرث جيلاً بعد جيل.وفي هذا السياق، تطرح أسئلة مشروعة نفسها بإلحاح: كم من شيخ وشيخة من رواد الفنون الشعبية غادروا الحياة دون أن يحظوا بالتكريم الذي يستحقونه؟ وكم من قادة الفرق التراثية والفنانين الذين ساهموا في صنع تاريخ هذا المهرجان ما زالوا ينتظرون لحظة اعتراف بمسيرتهم وعطائهم؟
إن قيمة المهرجانات الثقافية لا تُقاس فقط ببريق الأسماء المشاركة، بل بقدرتها على الوفاء لرسالتها الثقافية والحفاظ على شخصيتها المميزة. وعندما تتداخل حدود المهرجان التراثي مع منطق المهرجانات الغنائية، يصبح من الطبيعي أن يطرح المتتبعون أسئلة حول مستقبل هذا الموعد الثقافي العريق.ومن هذا المنطلق، تبدو الحاجة ملحة إلى نقاش ثقافي مسؤول يشارك فيه الباحثون والمهتمون والفاعلون في المجال التراثي، بهدف تقييم التجربة واستشراف مستقبل المهرجان بما يضمن استمراره كواجهة للفنون الشعبية المغربية الأصيلة، لا كفضاء يفقد تدريجيًا خصوصيته التاريخية.
كما يظل التساؤل مطروحًا حول دور وزارة الشباب والثقافة والتواصل في مواكبة هذا المهرجان وصون هويته، إلى جانب مسؤولية مجلس جماعة مراكش، ومجلس جهة مراكش آسفي، وولاية الجهة، ومختلف الفاعلين الاقتصاديين والسياحيين، باعتبار أن المهرجان ليس مجرد تظاهرة فنية، بل رصيد حضاري وثقافي وسياحي يعكس صورة مراكش والمغرب أمام العالم.إن الحفاظ على المهرجان الوطني للفنون الشعبية هو حفاظ على ذاكرة وطن، وعلى جزء أصيل من الهوية المغربية، وهي مسؤولية جماعية تستوجب أن تبقى الرسالة الثقافية للمهرجان فوق كل اعتبار.إذا أردت، أستطيع أيضًا إعادة صياغته بأسلوب أكثر جرأة وحدّة مع الحفاظ على المهنية والموضوعية.