رياضة

أرسنال: هناك مئة ألف طريقة للنجاح، الفشل إحداها! أجدور عبد اللطيف

 

ليست كرة القدم شرطا حيّاتيا ولا أولوية يومية، لكننا نتابعها لسبب بسيط: إنها تشبه الحياة، وتذكرنا، بطريقة ممتعة، بكل الدروس التي يضجرنا سماعها من الفلسفة والتاريخ والأدب.

يُغرم البشر عادة بالبطولات التي انبثقت من العدم، وقصص النجاح التي جاءت من المجهول.. وهذا ما يميز كرة القدم، أبطالها انطلقوا من الهامش ومن المستنقع؛ تختزل أغلب حكاياتهم عصامية متفردة، وتلامس تجاربهم تلامس الإنسانيّ فينا، وتخاطب قيم الكفاح والإرادة والطموح؛ إنها القيم التي خطتْ قصة الحضارة الإنسانية.

“المأساة ليست أن لا تحقق هدفك، المأساة ألا يكون لك هدف على الإطلاق” هكذا يقول بنيامين مايز؛ ومثله ميكيل أرتيتا قائد نادي أرسنال الإنجليزي، فمنذ انتقل إليهم سنة 2019م كان يعرف هدفه جيدا، ويعرف الطريق القاسية التي ستوصله إليه.

تُلقّنُنا قصة ميكيل أرتيتا مع أرسنال الكثير من الدروس أولاها، أن الاستمرارية تعني أن النجاح مسألة وقت فقط، فقد حقق المركز الثامن في أول سنتين له كمدرب، ثم المركز الخامس في السنة الثالثة، ثم المركز الثاني لثلاث سنوات متتالية.. وفقد اللقب خلالها، في الجولات الأخيرة بفارق طفيف من النقاط، إنها أصعب الطرق للفشل، أن تكون قريبا جدا، وتفشل بدراميّة، لم يمنع ذلك أرسنال من الفوز باللقب هذه السنة.

إنه لقب عظيم استثنائي وجميل، حيث جاء بعد سنوات من الاقتراب، والمحاولات المختلفة، وتراكم مستمر.. لذا فإن الإخفاق كلما تكرر صارت لحظة الوصول فارقة وكثيفة وشاهقة جدا؛ إن حفاظ أرسنال على إيقاعه المتصاعد خلال سنوات طويلة، درس بليغ في كون الاقتراب التقدم في حد ذاته ليس عسيرا، لكن مواصلة التقدم هو الاختبار الذي يفشل فيه أكثر من يحاولون.

شجرة الخيزران الصينية (Chinese Bamboo Tree)، وتحديداً نوع “موسو” (Moso Bamboo)، شجرة شهيرة بأنها، خلال السنوات الأربع أو الخمس الأولى، لا تعدو أن تكون شتلة صغيرة جداً، بينما تقوم في هذه السنوات ببناء شبكة جذور قوية ومعقدة تحت الأرض، لكن، وهنا وجه الشبه بنادي أرسنال، بمجرد أن تكتمل جذورها، تنمو الشجرة بسرعة خارقة في السنة الخامسة، حيث يمكن أن ترتفع لأكثر من ثلاثين متراً في غضون أسابيع قليلة فقط! بمعدل نمو قد يصل إلى متر واحد يومياً. إنها مسألة صبر وهدوء وطول نَفَس، وما قد يبدو بُطءا قد يكون في الحقيقة إعدادا حقيقيا للصعود المدوّي.

بنى ميكيل أرتيتا فريقه في صلابة ذهنية رفيعة، وانتظر سنته الخامسة ليفوز بالدوري الإنجليزي عن جدارة، كما ينافس بعد أيام على لقب دوري أبطال أوروبا، في إنجاز لو تحقق، فسيكون عاما استثنائيا لهذا الفتى الباسكي الشاب الذي رغم نجاحه كلاعب في النوادي التي لعب لها، وتمثيله إسبانيا في الفئات السنية، إلا أنه لم يلعب أي مباراة رسمية مع المنتخب الأول، بسبب التخمة التاريخية في خط وسط إسبانيا حينها: تشافي، إنييستا، بوسكيتس، ألونسو.

اختار أرتيتا أن يثبت نفسه بلغة الإنجازات، ويرد على الإقصاء في الملعب لا خارجه، لذا انضم أولا إلى طاقم الإسباني العبقري الآخر بيب غوارديولا، الذي وجد في أرتيتا عقلا تكتيكيا فذّا، ساهم في تتويج فريق مانشستر بعدة ألقاب، قبل أن يأخذ طريقه الخاص، عندما أحس بالنضج الكافي؛ وحال لسانه قول أرسطو: أحب أستاذي سقراط كثيرا، لكنني أحب الحكمة/الحقيقة أكثر.

أسس أرتيتا فريقه على المبادئ التي تحكم نجاح جميع التجارب الكونية، في مختلف المجالات، أولها الانضباط، والعمل المتواصل، والإبداع، والتلاحم، والكفاح، وأهمها عدم الاستسلام، وعبارة “its not done” التي قالها لاعب وسطه ديكلان رايس، بعد خسارة مفاجئة هددت بخسارة اللقب مرة أخرى، تُعبّر بجلاء عن فلسفة فريق ترى كل احتمال صغير مدعاة للقتال حتى الرمق الأخير، وأن الفشل ليس طريقا مختلفة عن تلك التي تقود نحو الوصول.

إن عدم استدعاء ميكيل أرتيتا لمنتخب إسبانيا، وصدمة استبعاده من الجيل الذهبي الذي فاز باليورو وكأس العالم، وإصابته بكوفيد 19 في بداية انتشار الجائحة، والواقعة الشهيرة مع نجم فريقه حينها أوباميانغ التي انتهت بطرد الأخير من الفريق، وتعرض الفريق لحملات سخرية لاذعة على مواقع التواصل والصحف في انجلترا والعالم، بسبب تضييع اللقب واحتلال مراتب متقدمة مرارا دون الفوز بأي شيء؛ ولّدت عنده رغبة جارفة في لإثبات الذات، وتحويل كل الخيبات والتحديات والانتقادات إلى طاقة جبارة، قادته اليوم إلى الانتصار على النفس أولاً، وعلى كل حملات والشك والانتقاص والسخرية، مبينا أن الرد الحقيقي لا يمكن أن يكون إلا عبر النجاح والإنجاز.

يلخّص روزفلت الرئيس الأمريكي هذه القصة ومثيلاتها، بعبارة قد تبدو بسيطة لكنها شاقة ومتمنّعة، تقول: “إذا آمنت أنك تستطيع؛ فقد قطعت نصف الطريق بالفعل”.

أجدور عبد اللطيف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى