قراءة عاشقة وناقدة في كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو (الجزء الثالث عشر)

أحمد رباص ـ تنوير
واصل عبد الجليل باحدو حديثه عن الخلطي وبنكيران في الصفحة (115) حيث عرض رأيا نقديا شديد اللهجة في عبد الإله بنكيران، متهمًا إياه بالتعاون مع المخابرات المغربية واختراق الجماعات الإسلامية، مع استعراض بعض الأحداث والاعتقالات التي كانت جزءًا من هذه العملية. كما أبرز التوترات والصراعات داخل التنظيمات الإسلامية المغربية في تلك الفترة، وأشار إلى مواقف متباينة تجاه بنكيران من قبل بعض الشخصيات السياسية الإسلامية.
تطرق الكاتب إلى اتهامات وادعاءات وشكوك حامت حول بنكيران، أبرزها أنه كان عميلًا للمخابرات المغربية، خاصة في سياق الجماعات الإسلامية في المغرب خلال فترة الثمانينيات.
من الأدلة المعتمدة في هذا الشأن توزيع جماعة العدل والإحسان لأشرطة داخل السجون تفضح علاقة بنكيران بالمخابرات، ووصف مطيع، الذي حكم عليه بالسجن المؤبد، له بالعميل. كما أكد عبد الكريم فوزي في اعترافاته أن بنكيران كان مخبرًا للاستعلامات حتى أثناء اختراقه لليساريين، وتم ضبطه عام 1976 متلبسًا بتسجيلات لأعضاء منظمة 23 مارس.
من الأمور التي قام بها قيادته لمظاهرة من مسجد الحبوس اعتقل على إثرها مع آخرين، وإصداره بيانًا باسم المجموعة القيادية يتبرأ فيه من الشبيبة الإسلامية وقادتها، خصوصًا من المواقف المعادية للنظام، وتأسيسع بمجلس الأربعين وعزل مطيع، مؤسس مجلة “الجهاد”.
كان اعتقال بنكيران جزءًا من خطة لإعطائه مصداقية داخل التنظيم الإسلامي الذي كان يخترقه. ومن المعتقل أصدر بيانًا يتبرأ فيه من مطيع ويجمع توقيعات أعضاء الشبيبة الإسلامية.
ومن تصريحات بنكيران في المسجد المحمدي وصفه لعمر بنجلون بـ”الكلب الأجرب” الذي يستحق القتل، في إشارة إلى الحكم الصادر على شباب اعتبرهم “خير شباب الأمة”. أثارت هذه التصريحات استنكارًا، خاصة من التيجيني الذي استنكر استقبال لشكر لبنكيران بالأحضان، بحكم علاقة زمالة جمعت بينهما في المدرسة.
في الصفحتين المواليتين (316 و317)، يخبرنا الكاتب بأن المكتب السياسي للحزب أسند إدارة جريدة “المحرر” إلى محمد اليازغي، وكانت عاقبة هذا الإسناد حدوث شرح في هيئه التحرير لاعتقاد اليازغي أن لعمر جناحا خاصا به، بينما كان في الحقيقة على خطإ لأن بنجلون كان محبوبا من قبل الجميع وليس من طبعه حياكة المؤامرات والدسائس وزرع بذور الفتنة بين إخوانه في الحزب ورفاقه في النقابة. نظرا لميل اليازغي لأساليب دنيئة في العمل الحزبي، سماه سي عبد الجليل بـ”وزير داخلية الحزب”.
تحدث عبد الجليل باحدو عن انتخابات 1977، وحكى كيف حمل إليه اليازغي “بشارة قرار الكتابة الإقليمية بالرباط” بترشيحه البرلمان في سلا التي كان كاتبا إقليميا للحزب فيها، ويحظى بشعبية واسعة في أوساط العمال والتجار والمدرسين. ومن خلال المقدم اليهودي، علم الكاتب أن مرشح الحزب في دائرة مرس السلطان هو علي يعته. وكان هذا الإخبار فرصة سانحة اهتبلها الكاتب للنهل من الذاكرة معلومات عن حزب التقدم والاشتراكية ومقارنته بحزب الاتحاد الاشتراكي.
غير أنه مع علمه بأن أصل الحزب الذي ينتمي إليه علي يعته شيوعي، لم يقل باحدو شيئاً عن الأصل الذي انحدر منه الحزب الذي ينتمي إليه.
والواقع أن كل متتبع لشأننا السياسي يدرك أن هناك حزبين رئيسيين مثلا اليسار المغربي المعتدل، وأنجزا خطابا معارضا يحتضن مطالب الجماهير وهما الحزب الشيوعي المغربي وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وبما أن الحزب الثاني منشق عن حزب الاستقلال اليميني والمحافظ، فلن تنطلي على أحد ادعاءاته بأنه تبنى اشتراكية ديمقراطية مفصولة عن المرجعية الماركسية اللينينية. وهذا دليل قاطع على أنه لم ينسلخ عن جذعه اليميني المتطرف.
فقد الاتحاد الاشتراكي شعبيته بعد أن تم استدراجه للمشاركة في الحكم مقابل أخذ نصيبه من الكعكة بأيدي من يعرفون من أين تؤكل الكتف، وبدون ضمانات تذكر على مستوى تحقيق تطلعات القوى التي كان يمثلها، والتي شكلت فعلا قاعدة كان يحسب لها ألف حساب خلال سنوات “الجمر والرصاص”، كما أشار إلى ذلك بنسعيد آيت إدير.
أما الحزب الأول الذي ما فتئ يذكر في خطابه بمرجعيته الماركسية ويتبجح بكونه من أصل شيوعي قح على خلاف حليفه في الكتلة، فقد أراد هو الآخر وضع حد لبؤسه المادي فضحى بوهجه الإيديولوجي واستسلم للإغراءات الشخصية مسرعا الخطى لصعود السلم المؤدي للحكومة برئاسة رجل اختزل الاشتراكية في المساواة أمام الحق في التصويت. ولكن النقطة التي أفاضت كأس الحزب ذي الأصل الشيوعي كانت هي تحالفه مع حزب “المصباح” الذي لم يصل نوره إلا إلى قادته وأتباعهم. هكذا تكون المقارنة بين الحزبين وإلا فلا!!
في لمحة عامة عما كتبه سي باحدو تحت عنوان “الدنيا والسياسة حظوظ” في كامل الصفحة (319) بالإضافة إلى أربعة سطور في الصفحة الموالية، نقول إن هذا النص يعكس واقع السياسة المغربية من خلال قصة شخصيات من ورزازات، ويبرز كيف أن الحظوظ والفرص تلعب دوراً محورياً في تحديد مصير السياسيين، إلى جانب الانتماءات والولاءات. كما يميط اللثام عن التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة وتأثيرها على الأفراد، مع تأكيد أن السياسة ليست دائماً عدالة أو كفاءة فقط، بل مزيج معقد من عوامل متعددة.
ولعشاق التفاصيل، نسوق حكاية سياسية من منطقة ورزازات المغربية، يرصد فيها الكاتب مسارات وشخصيات سياسية بارزة من هذه المنطقة، مع التركيز على دور الحظ والفرص في السياسة.
هناك الأستاذ محمد الخطابي، المناضل الاتحادي سابقا، ومؤسس النقابة الوطنية للتعليم، ومدير مدرسة المعلمين بوارزازات. انتقل إلى حزب الحركة الشعبية، وكان له موقع قيادي فيه. ظل وفياً لمبادئه رغم التحولات السياسية، ودخل في دائرة الظل والنسيان في نهاية حياته.
وهناك السعيد أمسكان، التقني في المسح الكمي قبل انتخابات 1977. لم يكن مهتماً بالسياسة في البداية، لكنه أصبح برلمانياً بارزاً من 1977 إلى 2021. شغل منصب وزير النقل (1995-1997) في حكومة عبد اللطيف الفيلالي. ةارتبط اسمه بقضية “الگريمات” التي أثارت جدلاً حول توزيع المنافع داخل حزب الحركة الشعبية.
وهناك ايضا أحمد لماوي، مقاول مقالع، دخل السياسة وأصبح رئيس المجلس الجماعي لأمرزكان ثم نائباً برلمانياً عن دائرة ورزازات. ورثت ابنته إيمان العمل السياسي وأصبحت برلمانية باسم حزب الأصالة والمعاصرة.
ثم هناك المحجوبي احرضان الذي تعرض لمحنة وغضب ملكي أدى إلى عزله وإبعاده عن المشهد السياسي.
وجاء في متن الحيز المحدد أعلاه أن الملك المغفور له الحسن الثاني عبر عن موقفه من المسؤولية السياسية في مقابلة مع مجلة فرنسية عام 1967. وفي هذا السياق، لم ينس الكاتب ذكر سائق كريم العمراني، الذي عينه الحسن الثاني نائباً في البرلمان عام 1992. وجاء الذكر أيضا على الطاهر عفيفي، وزير العلاقات مع البرلمان.
عموما، يؤكد النص أن السياسة ليست فقط مسألة كفاءة أو انتماء، بل تلعب فيها الحظوظ والفرص دوراً كبيراً. مثال: أمسكان لم يكن مهتماً بالسياسة لكنه أصبح برلمانياً ووزيراً. الخطابي رغم كفاءته ونضاله ظل في الظل.
وعن الانتماء الجغرافي والسياسي، أشار الكاتب إلى ورزازات كمكان تجمع سياسي واجتماعي، حيث يجمع هؤلاء الأشخاص انتماؤهم للمنطقة. وهكذا تكون السياسة المحلية مرتبطة بشبكات علاقات وأسر.
(يتبع)


