ثقافة و فن

أولغا توكارتشوك والذكاء الاصطناعي.. حين تهتز حدود الإبداع الأدبي

  الحنبلي عزيز-تنوير

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على جائزة نوبل للآداب لعام 2018، جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والأدبية، بعدما كشفت خلال مشاركتها في مؤتمر “إمباكت 26” بمدينة بوزنان، أنها استعانت بالذكاء الاصطناعي في بعض مراحل إعداد روايتها الجديدة المرتقب صدورها الخريف المقبل.

تصريحات توكارتشوك فتحت باباً واسعاً للنقاش حول حدود استخدام الأدوات التوليدية في الكتابة الإبداعية، خصوصاً بعدما تحدثت عن انبهارها بقدرات هذه التقنية، معتبرة أنها “توسع الآفاق وتعمق التفكير الإبداعي”. وأوضحت أنها لجأت إلى أحد برامج الذكاء الاصطناعي أثناء كتابة رواية تدور أحداثها في القرن التاسع عشر، من أجل البحث عن أغانٍ كانت متداولة في تلك الفترة لاستخدامها في مشهد راقص داخل العمل.

غير أن الكاتبة لم تُخفِ تحفظها على هذه الأدوات، مشيرة إلى أن بعض الأجوبة التي قدمها البرنامج لم تكن دقيقة، ومحذرة من ظاهرة “الهلوسة” التي قد تنتج عنها معلومات خاطئة. لكن الجدل اشتد أكثر بعدما قالت إنها أحياناً تسأل برنامج الدردشة عن كيفية تطوير فكرة معينة “بشكل جميل”، وهو ما فُهم منه أنها لا تستخدم الذكاء الاصطناعي فقط في البحث، بل أيضاً في التفكير السردي وبناء العمل الأدبي.

وأمام موجة الانتقادات التي وصلت عند البعض إلى المطالبة بسحب جائزة نوبل منها، اضطرت توكارتشوك إلى إصدار توضيح أكدت فيه أن الذكاء الاصطناعي لم يكتب روايتها الجديدة، وأنها لا تستعمله بديلاً عن الكتابة، بل أداة مساعدة في البحث والتوثيق والتحقق من المعلومات، على غرار ما كان يقوم به الكاتب سابقاً عبر العودة إلى الكتب والمراجع والأرشيفات.

القضية أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً بصيغة جديدة: هل لا يزال الإبداع فعلاً إنسانياً خالصاً، أم أن الآلة باتت قادرة على منافسة الكاتب في بناء العوالم والشخصيات والحبكات؟ وبين من يرى في الذكاء الاصطناعي خطراً على أصالة الكتابة، ومن يعتبره مجرد أداة جديدة يمكن توظيفها بحذر، تتسع الهوة داخل المشهد الأدبي العالمي.

وليست توكارتشوك الحالة الوحيدة التي أثارت الجدل. فقد سبق للكاتبة اليابانية ري كودان أن فازت سنة 2024 بجائزة “أكوتاغاوا” المرموقة، رغم اعترافها بأن جزءاً من روايتها أُنجز بمساعدة الذكاء الاصطناعي. كما أصدر الكاتب الكندي ستيفن مارش، تحت اسم مستعار، رواية قال إن معظم نصها وُلد عبر أدوات توليدية، في تجربة اعتُبرت من أوائل المحاولات الروائية المقروءة المكتوبة بالذكاء الاصطناعي.

وتكمن حساسية النقاش في أن الأدب ظل، تاريخياً، مرتبطاً بفردية الكاتب وبصمته الخاصة وخبرته الإنسانية. لذلك يرى منتقدو استعمال الذكاء الاصطناعي أن الاعتماد عليه في صياغة الجمل أو بناء الحبكات يمس جوهر الأصالة الأدبية، خصوصاً أن هذه النماذج تتعلم من أعمال كتاب سابقين، غالباً دون إذنهم أو علمهم.

لكن تصريحات توكارتشوك لم تقف عند حدود التكنولوجيا، بل كشفت أيضاً عن أزمة أعمق يعيشها الأدب المعاصر. فقد أعلنت الكاتبة أن روايتها الجديدة قد تكون آخر أعمالها الطويلة، مبررة ذلك بتراجع عدد قراء الروايات الكبيرة، وبالصعوبات المالية والجسدية والنفسية التي ترافق كتابة عمل يستغرق سنوات طويلة. وقالت إن كثيراً من القراء باتوا يفضلون الملخصات السريعة على قراءة النصوص الكاملة، وهو ما يحرم العمل الأدبي من معناه الحقيقي.

بهذا المعنى، لا يبدو الذكاء الاصطناعي في نظر توكارتشوك مجرد تهديد للكاتب، بل قد يكون أيضاً وسيلة لاختصار الزمن والجهد في البحث والتوثيق. غير أن السؤال الأخلاقي والجمالي يظل قائماً: أين تنتهي المساعدة التقنية وأين يبدأ التزييف؟ وهل يمكن للآلة أن تمنح النص ما يمنحه الإنسان من ذاكرة وقلق وخيال وتجربة؟

إن الجدل الذي أثارته تصريحات الأديبة البولندية لا يتعلق بشخصها فقط، بل يعكس أزمة وجودية يعيشها الأدب في زمن السرعة والاختصار والخوارزميات. فبين تراجع القراءة الطويلة، وصعود الملخصات، وتدخل الذكاء الاصطناعي في عمليات الكتابة، يجد الكاتب نفسه أمام تحدٍّ غير مسبوق: كيف يحافظ على معنى الإبداع الإنساني في عالم باتت فيه الآلة قادرة على إنتاج نصوص تشبه الأدب، لكنها لا تملك بالضرورة روحه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى